وَقَدْ قِيلَ:"أَقْشَعَتِ الغُيُومُ، وَقَشَعَتْهَا الرِّيحُ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ (:"وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ إلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ" [2] ، فَقَالَ:"يَكُبُّ"، وَلَمْ يَقُلْ:"يُكِبُّ"» [3]
وَقَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ: «"كَبَّهُ لِوَجْهِهِ، فَانْكَبَّ"، أَيْ: صَرَعَهُ، وَ"أَكَبَّ هُوَ عَلَى وَجْهِهِ"، وَهَذَا مِنَ النَّوَادِرِ أَنْ يُقَالَ:"أَفْعَلْتُ أَنَا، وَفَعَلْتُ غَيْرِي"، يُقَالُ:"كَبَّ اللهُ عَدُوَّ الْمُسْلِمِينَ"، وَلاَ يُقَالُ:"أَكَبَّ"» [4] .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ قَوْلَهُمْ:"أَكَبَّ هُوَ"، وَ"كَبَّهُ غَيْرُهُ"-فِي نَظَرِ الْجُمْهُورِ- مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الْمَعْهُودِ.
أَمَّا الْمُسَوِّغُ لِهَذِهِ الْمُخَالَفَةِ: فَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ التَّصْرِيفِيِّينَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ تَعْوِيضٌ لِـ"فَعَلَ"مِنْ غَلَبَةِ"أَفْعَلَ"فِي التَّعَدِّي، قَالَ ابْنُ جِنِّي: «وَعِلَّةُ ذَلِكَ -عِنْدِي- أَنَّهُ جُعِلَ تَعَدِّي"فَعَلْتُ"، وَجُمُودُ"أَفْعَلْتُ"كَالْعِوَضِ لِـ"فَعَلْتُ"، مِنْ غَلَبَةِ"أَفْعَلْتُ"لَهَا عَلَى التَّعَدِّي، نَحْوُ"جَلَسَ، وَأَجْلَسْتُهُ، وَنَهَضَ وَأَنْهَضْتُهُ"، كَمَا جُعِلَ قَلْبُ الْيَاءِ وَاوًا فِي"التَّقْوَى وَالرَّعْوَى، وَالثَّنْوَى، وَالْفَتْوَى"عِوَضًا لِلْوَاوِ مِنْ كَثْرَةِ دُخُولِ الْيَاءِ عَلَيْهَا، وَكَمَا جُعِلَ لُزُومُ الضَّرْبِ الأَوَّلِ مِنَ الْمُنْسَرِحِ لِـ"مُفْتَعِلُنْ"، وَحَظْرُ مَجِيئِهِ تَامًّا أَوْ مَخْبُونًا، بَلْ تُوبِعَتْ فِيهِ الْحَرَكَاتُ الثَّلاَثُ أَلْبَتَّةَ؛ تَعْوِيضًا لِلضَّرْبِ مِنْ كَثْرَةِ السَّوَاكِنِ فِيهِ، نَحْوُ"مَفْعُولُنْ، وَمَفْعُولاَنْ، وَمُسْتَفْعِلاَنْ"، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا الْتَقَى فِي آخِرِهِ مِنَ الضُّرُوبِ سَاكِنَانِ. [5]
(1) سورة الملك، من الآية: 22.
(2) الحديث في: سنن الترمذي، ح (2616) 5/ 11، بلفظ: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» ، وفيه: «قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح» ، ومصنف عبد الرزاق، ح (20303) 11/ 194.
(3) ليس في كلام العرب، ص:118، 119. وينظر: المزهر 1/ 238.
(4) اللسان (ك ب ب) 1/ 695.
(5) قال الخطيب التبريزي: «سُمِّيَ منسرحا لانسراحه مما يلزم أضرابه وأجناسه، وذلك أن"مستفعلن"متى وقعت ضربا في غيره فلا مانع يمنع من مجيئها على أصلها، ومتى وقعت"مستفعلن"في ضربه لم تجئ على أصلها، لكنها جاءت مطوية؛ فلانسراحه مما يكون في أشكاله سُمِّي منسرحًا» الوافي في العروض والقوافي، ص:146.