وَهُنَا لَهْجَةٌ تُنْسَبُ لِعَبْدِ قَيْسٍ تُخَالِفُ لَهْجَةَ الْحِجَازِيِّينَ وَالتَّمِيمِيِّينَ [1] ؛ إِذْ إِنَّهَا تُدْغِمُ كَالتَّمِيمِيِّينَ، وَتَزِيدُ هَمْزَةَ وَصْلٍ فِي أَوَّلِ فِعْلِ الأَمْرِ، فَهُمْ يَقُولُونَ -مَثَلًا-:"اُرُدَّ، وَاُغُضَّ"، فَلَعَلَّهُمْ قَاسُوا فِعْلَ الأَمْرِ فِي الْمُضَعَّفِ عَلَى الأَمْرِ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلاَثِيِّ الصَّحِيحِ، الَّذِي يُلْتَزَمُ فِيهِ الْبَدْءُ بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ، وَهَذَا مِنَ الْمُحْتَمَلِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ الْخَاطِئِ"FALSE ANALOGY"؛ رَغْبَةً فِي اطِّرَادِ الصِّيَغِ وَالأَوْضَاعِ فِي اللَّهْجَةِ الْوَاحِدَةِ. [2]
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُخَالِفِينَ لِلْحِجَازِيِّينَ اخْتَلَفُوا فِي حَرَكَةِ لاَمِ الْفِعْلِ الْمُضَاعَفِ، الْمُدْغَمِ الْمَجْزُومِ، أَوِ السَّاكِنِ الأَخِيرُ، فَذَهَبُوا فِي ذَلِكَ إِلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ، هِيَ [3] :
الْمَذْهَبَ الأَوَّلُ: الْفَتْحُ مُطْلَقًا [4] ، سَوَاءٌ أُسْنِدَ الْفِعْلُ لِضَمِيرِ الْغَائِبِ الْمُذَكَّرِ، أَوِ الْمُؤَنَّثِ، أَمْ وَلِيَهُ سَاكِنٌ، أَوْ لاَ؛ لأَنَّهُمْ آثَرُوا التَّخْفِيفَ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ.
نُسِبَتْ هَذِهِ اللُّغَةُ لأَهْلِ نَجْدٍ -وَبِالتَّحْدِيدِ تَمِيمٍ، وَبَنِي أَسَدٍ [5] -، إِلاَّ إِذَا لَقِيَهُ سَاكِنٌ فَالْكَسْرُ عِنْدَ بَنِي أَسَدٍ؛ لأَنَّهُمْ آثَرُوا حَرَكَةَ الأَصْلِ عَلَى التَّخْفِيفِ.
الْمَذْهَبُ الثَّانِي: الْكَسْرُ مُطْلَقًا فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ، عَلَى أَصْلِ التَّخُلُّصِ مِنْ الْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
نَسَبَ سِيبَوَيْهِ هَذِهِ اللُّغَةَ لِكَعْبٍ وَغَنِيٍّ [6] ، وَجَاءَتْ نِسْبَتُهَا -أَيْضًا- لِكَعْبٍ وَنُمَيرٍ [7] ، وَالْبُطُونِ الثَّلاَثَةِ مِنْ قَيْسٍ [8] .
(1) ينظر: اللهجات العربية في التراث 1/ 295.
(2) ينظر: في اللهجات العربية/ للدكتور إبراهيم أنيس، ص:151، وظاهرة قياس الحمل، ص:620.
(3) ينظر: كتاب التكملة/ للفارسي، ص 68 - 70، وشرح التصريف/ للثمانيني، ص 451 - 453، وشرح الملوكي، ص:454، 455، والممتع في التصريف 2/ 657 - 659، وشرح الشافية 2/ 243، وشرح الأشموني 4/ 353، والتصريح على التوضيح 2/ 763، 764، والظواهر اللغوية في صحيح الإمام مسلم، ص:147.
(4) قال الأشموني: «إذا أدغم في الأمر على لغة تميم، وجب طرح همزة الوصل؛ لعدم الاحتياج إليها، وحكى الكسائي أنه سمع من عبد القيس:"ارُدَّ، واغُضَّ، وافِرَّ"بهمزة الوصل، ولم يحك ذلك أحد من البصريين» شرح الأشموني 4/ 352. وينظر: الارتشاف 1/ 345، والتصريح على التوضيح 2/ 763، واللهجات العربية في التراث 1/ 309.
(5) ينظر: الارتشاف 1/ 345 - 346، وخاتمة المصباح المنير، ص:564، والتصريح على التوضيح 2/ 764.
(6) ينظر: الكتاب 3/ 534، واللهجات العربية في التراث 1/ 310.
(7) ينظر: توضيح المقاصد 6/ 117، شرح الأشموني 4/ 353، والتصريح على التوضيح 2/ 764، واللهجات العربية في التراث 1/ 310.
(8) ينظر: جمهرة أنساب العرب/ لابن حزم، ص:244، 480، 482، ولغة تميم -دراسة تاريخية وصفية، ص:420، 421.