*فَغُضِّ الطَّرْفَ * [1]
وَ"رُدِّ ابْنَكَ"» [2] .
وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ «لَمْ نَرُدَّهُ» بِفَتْحِ الدَّالِ وَالإِدْغَامِ، خَالَفَهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ التَّصْرِيفِيِّينَ [3] ، قَالَ الأُبِّيُّ: «قَوْلُهُ: (لَمْ نَرُدَّهُ) (ع) [4] : الْمُحَدِّثُونَ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِ الدَّالِ، وَرَدَّهُ مُحَقِّقُو النُّحَاةِ، وَقَالُوا: الصَّوَابُ -عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي مِثْلِهِ مِنَ الْمُضَاعَفِ، يَلْحَقَهُ الْهَاءُ- أَنْ يُضَمَّ مَا قَبْلَهُ فِي الأَمْرِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَجْزُومِ؛ لِتُجَانِسَ الْوَاوَ، الَّتِي يُوجِبُهَا ضَمُّ الْهَاءِ، وَالْهَاءُ لِخَفَائِهَا كَالْعَدَمِ، وَالْوَاوُ لاَ يَكُونُ مَا قَبْلَهَا إِلاَّ مَضْمُومًا، هَذَا فِي الْمُذَكَّرِ، وَأَمَّا الْمُؤَنَّثُ نَحْوُ"نَرُدَّهَا"فَمَفْتُوحُ الدَّالِ؛ رَعْيًا لِلأَلِفِ» [5] .
وَقَالَ الْقَسْطَلاَّنِيُّ: « (لَمْ نَرُدَّهُ) بِفَتْحِ الدَّالِ فِي"الْيُونِينِيَّةِ"، وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُحَدِّثِينَ، وَذَكَرَ ثَعْلَبٌ فِي (الْفَصِيحِ) : لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ النُّحَاةِ: إِنَّهُ غَلَطٌ، وَالصَّوَابُ ضَمُّ الدَّالِ، كَآخِرِ الْمُضَاعَفِ، مِنْ كُلِّ مُضَاعَفٍ مَجْزُومٍ، اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ الْمُذَكَّرِ؛ مُرَاعَاةً لِلْوَاوِ الَّتِي يَتَوَجَّبُهَا ضَمَةُ الْهَاءِ بَعْدَهَا؛ لِخَفَاءِ الْهَاءِ، فَكَأَنَّ مَا قَبْلَهَا وَلِيَهُ الْوَاوُ، وَلاَ يَكُونُ مَا قَبْلَ الْوَاوِ إِلاَّ مَضْمُومًا، كَمَا فَتَحُوهَا مَعَ هَاءِ الْمُؤَنَّثِ، نَحْوُ"رُدَّهَا"؛ مُرَاعَاةً لِلأَلِفِ، وَلَمْ يَحْفَظْ سِيبَوَيْهِ فِي نَحْوِ هَذَا إِلاَّ الضَّمَّ، كَمَا أَفَادَهُ السَّمِينُ، وَصَرَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِأَنَّهُ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَجَوَّزَ الْكَسْرَ -أَيْضًا-، وَهُوَ أَضْعَفُهَا، فَصَارَ فِيهَا ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ.
وَلِلْحَمَوِيِّ وَالْكَشْمِيهَنِيِّ (لَمْ نَرْدُدْهُ) بِفَكِّ الإِدْغَامِ، فَالدَّالُ الأُولَى مَضْمُومَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مَجْزُومَةٌ، وَهُوَ وَاضِحٌ» [6] .
هَذَا، وَقَدْ وَافَقَ التَّمِيمِيُّونَ الْحِجَازِيِّينَ عَلَى الْفَكِّ إِذَا اتَّصَلَتِ النُّونُ وَتَاءُ الضَّمِيرِ بِالْمُضَاعَفِ نَحْوُ"رَدَدْتُ، وَرَدَدْنَا"، بِحُجَّةِ لُزُومِ سُكُونِ الثَّانِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ [7] ، قَالَ الْمُؤَدِّبُ: «وَاعْلَمْ أَنَّ بَنِي تَمِيمٍ وَقَيْسًا لاَ يُضَعِّفُونَ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْبَابِ لاَ الأَمْرَ وَلاَ غَيْرَهُ، إِلاَّ فِعْلَ جَمِيعِ النِّسَاءِ خَاصَّةً، نَحْوُ"افْرَرْنَ، وَارْدُدْنَ، وَامْسَسْنَ".
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: لِمَ اتَّفَقُوا عَلَى بَيَانِ تَضْعِيفِ فِعْلِ جَمِيعِ النِّسَاءِ؟ فَقُلْ: لأَنَّهُمْ لَوْ أَدْغَمُوا مُسَكَّنَ الْحَرْفِ الأَوَّلِ، وَلَمْ يَجِدُوا إِلَى تَحْرِيكِ الآخَرِ سَبِيلًا؛ فَكَرِهُوا الْجَمْعَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ.
(1) قطعة من بيت، سبق تخريجه، ص:760.
(2) همع الهوامع 6/ 287، 288.
(3) ينظر: المفهم 3/ 277، والتنقيح 1/ 424.
(4) قوله في: مشارق الأنوار 2/ 290.
(5) إكمال الإكمال 3/ 309.
(6) إرشاد الساري 4/ 361. وينظر: عمدة القاري 10/ 176.
(7) ينظر: شرح الشافية 2/ 246، واللهجات العربية في التراث 1/ 310.