لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ *** فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَعْلَبُ [1] » [2] .
وَقَالَ ابْنُ السَّرَّاجِ: «وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي"دَخَلْتُ الْبَيْتَ": هَلْ هُوَ مُتَعَدٍّ، أَوْ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؟.
وَإِنَّمَا الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ لاِسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهُ بِغَيْرِ حَرْفِ الْجَرِّ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ.
وَهُوَ -عِنْدِي- غَيْرُ مُتَعَدٍّ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَإِنَّكَ لَمَّا قُلْتَ:"دَخَلْتُ"إِنَّمَا عُنِيتَ بِذَلِكَ انْتِقَالَكَ مِنْ بَسِيطِ الأَرْضِ وَمُنْكَشِفِهَا، إِلَى مَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ بَسِيطٍ مُنْكَشِفٍ، فَالاِنْتِقَالُ ضَرْبٌ وَاحِدٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْمَوَاضِعُ، وَ"دَخَلْتُ"مِثْلُ"غُرْتُ": (إِذَا أَتَيْتُ الْغَوْرَ) ، فَإِنْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ"دَخَلْتُ"مُتَعَدِّيًا وَجَبَ أَنْ يَتَعَدَّى"غُرْتُ".
وَدَلِيلٌ آخَرُ: أَنَّكَ لاَ تَرَى فِعْلًا مِنَ الأَفْعَالِ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا إِلاَّ كَانَ مُضَادُّهُ مُتَعَدِّيًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدٍّ كَانَ مُضَادُّهُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ، فَمِنْ ذَلِكَ:"تَحَرَّكَ وَسَكَنَ"، فَـ"تَحَرَّكَ"غَيْرُ مُتَعَدٍّ، وَ"سَكَنَ"غَيْرُ مُتَعَدٍّ، وَ"ابْيَضَّ وَاسْوَدَّ"كِلاَهُمَا غَيْرُ مُتَعَدٍّ، وَ"خَرَجَ"ضِدُّ"دَخَلَ"، وَ"خَرَجَ"غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ"دَخَلَ"غَيْرَ مُتَعَدٍّ، وَهَذَا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ» [3] .
رُدَّ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ [4] :
أَحَدُهُمَا: أَنَّ"دَخَلْتُ الْبَيْتَ"لَيْسَ مِثْلَ"ذَهَبْتُ الشَّامَ"؛ لأَنَّ"الْبَيْتَ"عَامٌّ، يَشْمَلُ كُلَّ مَكَانٍ مَبْنِيٍّ.
(1) البيت من الكامل، وهو في: الكتاب 1/ 36، وإيضاح شواهد الإيضاح 1/ 212، وشرح الكتاب/ للصفار 2/ 665، والخزانة 3/ 83، والدرر اللوامع 1/ 169، وبلا نسبة في: نوادر أبي زيد، ص:167، وأسرار العربية/ لابن الأنباري، ص:180، وترشيح العلل، ص:130، والمغني 1/ 16.
يستشهد بهذا البيت «على وصول الفعل إلى الطريق، وهو اسم خاصّ للموضع المستطرق بغير واسطة حرف جرٍّ؛ تشبيها بالمكان؛ لأن الطريق مكان، وهو نحو قول العرب:"ذهبت الشامَ"، إلا أن الطريق أقربُ إلى الإبهام من الشام؛ لأن الطريق يكون في كل موضع يسارُ فيه، وليس الشام كذلك» تحصيل عين الذهب، ص:67.
وقيل: الأصل"كما عسل في الطريق"، ثم حذف"في"، وذلك خاص بالضرورة. ينظر: الضرائر اللغوية في الشعر الجاهلي، ص:300.
والمعنى: أنه وصف رمحًا، فقال: هو لدن أي: ليِّنٌ، إذا هززته يهتزُّ متنه، كاهتزاز الثعلب إذا مشى. ينظر: شرح أبيات سيبويه/ للنحاس، ص:43.
(2) الكتاب 1/ 35، 36.
(3) الأصول في النحو/ لابن السراج 1/ 170، 171.
(4) ينظر: النكت 1/ 249، 250.