وَدُوفِعَ عَنْهُ بِأَنَّ سِيبَوَيْهِ لَمْ يَذْهَبْ «حَيْثُ ذَهَبَ هَذَا الرَّدُّ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ سِيبَوَيْهِ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَنَا أَنَّ"ذَهَبْتُ الشَّامَ"شَاذٌّ، وَالأَصْلُ فِيهِ اسْتِعْمَالُ حَرْفِ الْجَرِّ، كَمَا أَنَّ"دَخَلْتُ الْبَيْتَ"كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ"الْبَيْتُ"أَعَمَّ مِنَ الشَّامِ» [1]
الْوَجْهُ الآخَرُ: أَنَّ"دَخَلَ"مِمَّا يَتَعَدَّى أَحْيَانًا بِنَفْسِهِ، وَأَحْيَانًا بِغَيْرِهِ، يُقَالُ -مَثَلًا-:"دَخَلْتُ الْبَيْتَ"، وَ"دَخَلْتُ فِي الْبَيْتِ"وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ.
نُسِبَ هَذَا الْوَجْهُ إِلَى الْجَرْمِيِّ [2] .
دَافَعَ الأَعْلَمُ عَنْ سِيبَوَيْهِ قَائِلًا: «وَلَيْسَ الأَمْرُ عَلَى مَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ"دَخَلْتُ الْبَيْتَ"لاَ يَتَعَدَّى، وَأَنَّ حَرْفَ الْجَرِّ قَدْ حُذِفَ، وَهُوَ يُرَادُ، قَوْلُكَ:"دَخَلْتُ فِي الأَمْرِ، وَدَخَلْتُ فِي كَلاَمِ زَيْدٍ"، فَعَلِمْتَ بِهَذَا أَنَّهُمْ تَوَسَّعُوا فِي حَذْفِ حَرْفِ الْجَرِّ مِنَ الأَمَاكِنِ فَقَطْ، وَتَرَكُوا غَيْرَهَا عَلَى الْقِيَاسِ» [3] .
وَعَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فَإِنَّ تَعَدِّي"دَخَلَ"إِلَى"الْمَسْجِدِ"-كَمَا فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ- شَاذٌّ؛ لأَنَّ"الْمَسْجِدَ"مَكَانٌ مُخْتَصٌّ؛ فَلاَ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ"دَخَلَ"، إِلاَّ بِحَرْفِ جَرٍّ صَرِيحٍ.
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ [4] ، وَالْمُبَرِّدُ [5] ، وَالْجَرْمِيُّ [6] فَيَرَوْنَ أَنَّ تَعَدِّيَ"دَخَلَ، وَذَهَبَ، وَانْطَلَقَ"إِلَى أَسْمَاءِ الأَمَاكِنِ، مِنْ دُونِ حَرْفِ الْجَرِّ، أَيْ: بِنَزْعِ الْخَافِضِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مَسْمُوعٌ عَنِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ:"دَخَلْتُ الْكُوفَةَ، وَذَهَبْتُ الْيَمَنَ، وَانْطَلَقْتُ الشَّامَ".
وَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَلاَ شُذُوذَ فِي الأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ.
وَرَدَّ عَلَيْهُمُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ النَّصْبَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ «فَلاَ يَجُوزُ -فِي الرَّأْيِ الصَّائِبِ- أَنْ يَنْصِبَ فِعْلٌ مِنْ تِلْكَ الأَفْعَالِ الْمُحَدَّدَةِ الْمُعَيَّنَةِ كَلِمَةً عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، إِلاَّ الَّتِي وَرَدَتْ مَعَهُ مَسْمُوعَةً عَنِ الْعَرَبِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ فِي كَلِمَةٍ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ الْمَعْدُودَةِ الْمَحْدُودَةِ أَنْ تَكُونَ مَنْصُوبَةً عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ إِلاَّ مَعَ الْفِعْلِ الَّذِي وَرَدَتْ مَعَهُ مَسْمُوعَةً، أَيْ: إِنَّ هَذِهِ
(1) النكت 1/ 249.
(2) ينظر: السابق 1/ 249.
(3) السابق 1/ 250.
(4) ينظر: البسيط/ لابن أبي الربيع 1/ 419، 420.
(5) ينظر: المقتضب 4/ 337، والانتصار لسيبويه على المبرد، ص:46، 47.
(6) ينظر: البسيط/ لابن أبي الربيع 1/ 461.