ضرورة أنه مشار إليه إشارة حسية (بهنا وهناك و) ضرورة (أنه ينتقل منه الجسم و) ينتقل (إليه) فانا نشاهد الجسم يكون حاضرا ثم يغيب ويحضر جسم آخر من حيث هو (و) ضرورة (أنه مقدار له نصف وثلث) فان مكان النصف نصف مكان الكل وكذا الحال في الثلث والربع (و) ضرورة (أنه متفاوت فيه زيادة ونقصان) فان مكان الكبير يزيد على مكان الصغير (ولا يتصور شي ء منها) أي من الأمور المذكورة (للعدم المحض) فان المعدوم في الخارج لا يقبل الإشارة الحسية ولا يتصور انتقال الجسم منه وإليه
(قوله مشار إليه) إن أراد به مشار إليه بالذات فممنوع وإن أراد أنه مشار إليه ولو بتبعية الجسم المتمكن فمسلم لكنه لا يقتضي ذلك وجوده بل وجود ما ينتزع منه ويشار إليه بتبعيته كما هو مذهب الأشاعرة (قوله وضرورة انه ينتقل منه الجسم وإليه) فيه أن الانتقال ليس إلا استبدال القرب والبعد نص عليه في الشفاء فاللازم منه وجود ما يقرب الجسم فيه وما يبعد عنه وإنما نسب الانتقال إلى المكان لكونه محدودا وهميا باعتبار وقوعه بين الأجسام التي حصل القرب والبعد عنها [قوله فان مكان النصف الخ] فيه أن هذا تقدير وتنصيف بتبع الجسم لا بالذات فاللازم عنه وجوده وكذا الكلام في انه متفاوت (قوله فان المعدوم الخ) أي المعدوم في الخارج لا تتعلق به الإشارة الحسية بل لا بد من وجوده حين تعلق الإشارة سواء كانت قبل التعلق موجودا أو لا كالنقطة في الخط والخط في السطح فإنها حين الإشارة موجودة وإن لم تكن قبلها موجودة ولا يلزم أن يكون كل نقطة أو خط نهاية
[قوله ضرورة انه مشار إليه إشارة حسية) فيه بحث أما أولا فلما قيل من أن الحكماء جوزوا الإشارة الحسية إلى النقطة في وسط الخط وإلى الخط في وسط السطح مع انهما موهومان لان الخط عندهم ليس مركبا من النقط ولا السطح من الخطوط بل هما متصلان لا مفصل فيهما فلا يلزم عندهم كون المشار إليه بالإشارة الحسية موجودا في الخارج بل يلزم أحد الأمرين إما وجوده فيه أو وجود المحل الّذي يتوهم المشار إليه فيه وأما ثانيا فلان المشار إليه إشارة حسية بهنا وهناك هو ما يقال له المكان في العرف العام فلا يثبت به وجود المكان الحقيقي ويمكن أن يدفع الثاني بأن جمهور العقلاء يشيرون إلي الطير الواقف في الهواء بأنه هناك مع انه لا مكان بالمعنى العامي كما سيذكره [قوله وأنه ينتقل منه الجسم وإليه) المنتقل إليه بالحصول فيه يجب أن يكون موجودا وقت الانتقال وأما المنتقل إليه بتحصيله فيمتنع وجوده حال الانتقال كالكيفية التي تتوجه إلى الجسم حال حركته في الكيف هذا هو المشهور وفيه اعتراض مشهور وهو انه لا يستقيم على تقدير كون المكان هو السطح كيف والطير الّذي يطير من موضع إلى موضع في الهواء ينتقل إلي ما انتهى إليه حركته مع كونه معدوما قبل وصوله إليه لكون الهواء متصلا عندهم في نفسه لا سطح موجودا في جوفه فاذا خرقه المتحرك بحجمه