حقيقتها والعسل وإن) فرضنا انه (سهل اتصاله) حتى زاد في سهولة الاتصال على الماء (لكن يعسر انفصاله) فعلى تقدير كون العسل أسهل التصاقا من الماء لا يلزم أيضا كونه أرطب إذ ليس أسهل انفصالا منه (ثم) نقول (يبطل تفسير) أي تفسير ابن سينا للرطوبة (بسهولة التشكل وتركه انه يوجب أن يكون الهواء رطبا) بل أن يكون أرطب من الماء لأنه ارق قواما منه وأقبل للتشكلات الغريبة وتركها بسهولة (واتفقوا) أي الجمهور (على أن خلط الرطب باليابس يفيد) اليابس (إستمساكا) عن التشتت كما انه يفيد الرطب إستمساكا عن السيلان (فيجب) على ذلك التقدير اعنى كون الهواء رطبا (أن يكون خلط الهواء بالتراب يفيد) التراب (الاستمساك) عن التفرق (وبطلانه بين) لان خلط الهواء به يزيده تشتتا وتفرقا (وربما الزموا أن النار يابسة عندكم وهذا التعريف) الّذي ذكرتموه للرطوبة
(قوله واتفقوا على أن خلط الخ) الاتفاق إنما هو على أن خلط الرطب الّذي هو الماء لأكل رطب في الشفاء في فصل انفعالات العناصر يستمسك جوهر الماء بعد سيلانه بمخالطة الأرض ويستمسك جوهر الأرض عن تشتته بمخالطة الماء وقيل إن ذلك الحكم إنما هو للرطب بمعنى ذي البلة فان إطلاق البلة شائع وفيه انه أن أراد بالبلة ما سيجي ء من الجسم الرطب الجاري على ظاهر جسم آخر فلا شك أن خلط المبتل باليابس لا يفيد الحكم المذكور وأن أراد الكيفية السارية في الجسم المحسوسة فهي الرطوبة
(قوله لأنه أرق قواما منه وأقبل للتشكلات الغريبة) قيل يحتمل أن يكون ذلك من التركيب إذ الهواء الّذي يجاورنا مركب من الماء ومختلط به فيجوز أن يكون سهولة قبول الأشكال وتركها بسبب اختلاط الماء كما سيجي ء مثله في النار وقد يجاب بأن ذلك الاختلاط في الشتاء أزيد منه في الصيف ولذلك يرق قوام الأهوية في الصيف ويغلظ في الشتاء فلو كان ذلك للتركيب لكان الهواء في الشتاء أقبل للتشكلات من الهواء في الصيف ومن البين انه ليس كذلك فتأمل (قوله واتفقوا أي الجمهور الخ) قيل هذا الاتفاق من العوام على انه فيما رأوه من الماء والتراب وشبههما لا إن الحكم في كل رطب ويابس كذلك وأيضا إنما هو في الرطب بمعنى ذي البلة فان اطلاق الرطوبة على البلة شائع بل كلام الإمام صريح في أن الرطوبة التي هي من المحسوسات إنما هي البلة لا ما اعتبر فيه سهولة قبول أشكال حادثة لان الهواء رطب بهذا المعنى ولا يحس فيه رطوبة بقى هاهنا بحث وهو أن لزوم كون الهواء أرطب من الماء لم يندفع بشيء مما ذكرناه مع انه باطل قطعا ويمكن أن يجاب عنه أيضا بان الرطوبة هي الكيفية المقتضية للسهولة المذكورة لا نفسها وكون الكيفية المذكورة في الهواء أزيد مما في الماء ممنوع وزيادة الأثر لا تدل على زيادة المؤثر لجواز أن يكون بحسب القابل وجرم الهواء لكونه أرق قواما من جرم الماء أقبل للسهولة المذكورة وبهذا التحقيق يظهر اندفاع ما سيورده من لزوم كون النار أرطب من الماء والهواء لكونها أسهل قبولا للأشكال منهما