الّذي انقلب ماء وفاض الى وجه الأرض وجب أن ينجذب الى مكانه ما يقوم مقامه لئلا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء ويفيض وهكذا يستتبع كل جزء منه جزءا آخر قال الإمام الرازي ومياه العيون الراكدة تحدث من أبخرة بلغت من قوتها إن اندفعت الى وجه الأرض ولكن لم تبلغ من كثرة مددها وقوتها أن يطرد ناليها سابقها وهذا الكلام ينافي ما ذكره المصنف من التعليل بامتناع الخلاء ويقتضي أن يعلل السيلان بكثرة الأبخرة المقتضية للاندفاع الى فوق والركود بقلتها فتأمل قال ومياه القني والآبار متولدة من ابخره ناقصة القوة عن أن تشق الأرض فاذا أزيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة فإن لم يحصل هناك مسيل فهو البئر وإن حصل فهو القناة ونسبة القنى الى الآبار كنسبة العيون السيالة الى الراكدة واعلم أن النزح من الآبار والعيون الراكدة سبب لنبوع الماء فيها لان ثقل الماء الظاهر يمنع سائر الأبخرة عن الظهور فاذا نزح قويت تلك الأبخرة واندفعت الى خارج وقد اختلفوا في أن هذه المياه متولدة من أجزاء مائية متفرقة في عمق الأرض اذا اجتمعت أو من الهواء البخاري الذي ينقلب ماء وهذا الثاني وإن كان ممكنا إلا أن الأول أولى لان مياه العيون والقنوات والآبار تزيد بزيادة الثلوج والأمطار (وأيضا) نقول (فالبخار والدخان اللذان في الأرض قد يكثران ويزيدان الخروج منها) بقوة (ومسامها متكاثفة فيزلزلانها بحركتيهما ومنه تتكون الزلازل) واذا كانا قليلين أو كان مسامها مفتوحة لم يكن زلزلة ولذلك قلت الزلازل في الأراضي الرخوة واذا كثرت الآبار والقنى في أرض صلبة قلت زلزلتها (وقد يخرج البخار والدخان) الممتزجان امتزاجا مقربا الى الدهنية وقد صارا نارا لشدة الحركة) المقتضية للاشتعال والانقلاب الى النارية وربما قويت المادة على شق الأرض فتحدث أصوات هائلة ثم إن وقع هذا الشق في بلدة جعل عاليها سافلها وربما كان في موضع الانشقاق وهدات فيسقط ما فوق الأرض في تلك الوهدات قليلا ما تتزلزل الأرض بسقوط تلك الجبال عليها بتواتر المطر وشدته (وأيضا) نقول (فيحدث في الأرض قوة كبريتية وفي الهواء رطوبة يختلط بخار الكبريت بأجزاء
(قوله إن يطرد تاليها) الطرد الأبعاد يقال طرده عن موضع كذا أي أبعده عنه وقوله والركود بقلتها أي بعلل الركود بقلتها وقوله ومياه القنى هذا جمع قناة بضم القاف فيها ومعناه معلوم في الشرح وقوله وهدأت بفتح الواو وسكون الهاء أي أرض مطمئنة غائرة كما مر@