الثاني وقدحوا في احدى مقدمتي الأولي على التفصيل المذكور والى ما ذكرناه أشار المصنف رحمه اللّه بقوله (ثم قال الحنابلة كلامه حرف وصوت يقومان بذاته وانه قديم وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلا الجلد والغلاف قديمان) فضلا عن المصحف فهؤلاء صححوا القياس الأولي ومنعوا كبرى القياس الثاني (وهذا باطل بالضرورة فإن حصول كل حرف) من الحروف التي تركب منها كلامه على زعمهم (مشرط بانقضاء الآخر) منها (فيكون له) أي للحرف المشروط (أول فلا يكون قديما) وكذا يكون للحرف الآخر انقضاء فلا يكون هو أيضا قديما بل حادثا (فكذا المجموع المركب منها) أي من الحروف التي لها أول زمان وجودا وآخره أو اجتمعا معا فيها فيكون حادثا لا قديما والكرامية وافقوا الحنابلة في أن كلامه حروف وأصوات وسلموا أنها حادثة لكنهم زعموا أنها قائمة بذاته تعالى لتجويزهم قيام الحوادث به فقد قالوا بصحة القياس الثاني وقدحوا في كبرى القياس الأولي (وقالت المعتزلة) كلامه تعالي (أصوات وحروف) كما ذهبت إليه الفرقتان المذكورتان لكنها ليست قائمة بذاته تعالى
الصغرى على أن وجود الثاني مشروط بوجود الأول وانقضائه فالقدح في الكبرى والقول بالقدم تناقض لا يجئ عن عاقل فضلا عن مجتهد مثل الإمام أحمد بن حنبل والظاهر أن مراده التعاقب في الترتيب كالمكتوب في المصحف على ما أشرنا إليه في أوائل الكتاب فحينئذ يكون مذهبه عين مذهب السلف الذي سيذكره في آخر البحث ويكون اشتراط وجود كل حرف بانقضاء الآخر بالنظر إلينا لعدم مساعدة الآلة كما سيصرح به (قوله حتى قال بعضهم جهلا الجلد والغلاف قديمان) كأنهم يزعمون أن الجلد والغلاف كانا كامنين قديمين فبرزا بعمل المجلد وأما ما نقل عن بعضهم من أن الجسم الذي كتب به القرآن فإنتظم حروفا ورقوما هو بعينه كلام اللّه تعالى وقد صار قديما بعد ما كان حادثا فمعناه قد ظهر قدمه بعد ما كان في صورة الحادث وعلى أي معنى حمل كلامهم لا يخرج عن كونه من آثار جهلهم (قوله فإن حصول كل حرف مشروط بانقضاء الآخر) الظاهر أن مراده من كل ما سوى الحرف الأولي فإنه غير مشروط بانقضاء الآخر إذ ليس قبله حرف ولذا استدل على حدوث الحرف الآخر بأن له انقضاء لا بأن لها أول كما في الحرف المتوسط مع أن استدلاله ذلك مبنى على أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه وإلا فلا دلالة للإنقضاء على الحدوث (قوله لكنهم زعموا أنها قائمة بذاته تعالى لتجويزهم قيام الحوادث به تعالى) هذا يدل على أن الكرامية يقولون قيام مجموع الكلام اللفظي مع حدوثه بذاته تعالى وقد صرح في مباحث التنزيهات بأنهم إنما يقولون بقيام قول كن أو الإرادة فبينهما تدافع ثم المذكور في شرح المقاصد أن كلام اللّه تعالى عند الكرامية قدرته على التكلم وهو قديم وأما المنتظم من الحروف المسموعة فهو قول اللّه تعالى لا كلامه وإن كان حادثا قائما بذاته تعالى لكن ما ذكر في الكتاب موافق لما في أبكار الأفكار