فهرس الكتاب

الصفحة 1860 من 2156

قل (يخلقها اللّه في غيره كاللوح المحفوظ أو جبريل أو النبي وهو حادث) كما ذهبت إليه الكرامية خلافا للحنابلة فهم أيضا صححوا القياس الثاني لكنهم قدحوا في صغرى القياس الأول وهي إن كلامه تعالى صفة له (وهذا) الذي قاله المعتزلة (لا تنكره) نحن بل نقول به ونسميه كلاما لفظيا ونعترف بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى (لكنا نثبت أمرا وراء ذلك وهو المعنى القائم بالنفس) الّذي يعبر عنه بالألفاظ ونقول هو الكلام حقيقة وهو قديم قائم بذاته تعالى فتمنع صغرى القياس الثاني (ونزعم انه غير العبارات إذ قد تختلف العبارات

(قوله بل يخلقها اللّه تعالى في غيره) خالقهم الهذيل في نفس كن فإنه قال قوله تعالى للشيء كُنْ عرض حادث لا في محل لأن المحل سابق على الحال ولو بالذات فلا يكون شي ء من المحال أجساما كانت أو غيرها إلا بعد كن بدليل قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لشيء إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وهذا الاستدلال ضعيف لأن حقيقة قوله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لشيء الآية هو أن ليس قولنا لشيء من الأشياء عند تكوينه إلا هذا القول وهو لا يقتضي ثبوت هذا القول لكل شي ء حتى يلزم تقدمه على جميع المحال إلا ترى انك اذا قلت ما قولي لأحد من الناس عند إرشاده إلا أن أقول له تعلم لم يدل على انك تقول لكل أحد تعلم بل على انك لو قلت في حقه شيئا لم يكن إلا هذا القول وبهذا التوجيه يندفع أيضا ما يقال من أن الآية تدل على قدم كلمة كن إذ لو كانت حادثة لكانت واقعة بكلمة كن أخرى سابقة لعموم لفظ شي ء من حيث وقوعه في سياق النفي معنى ويتسلسل فإن قلت كلام العبد مخلوق له عند المعتزلة فلا يكون مخلوقا للّه تعالى قلت ذكر الآمدي في أبكار الأفكار أن المعتزلة كافة اتفقوا على أن معنى كونه تعالى متكلما انه خالق للكلام على وجه لا يعود منه إليه صفة حقيقية كما لا يعود من خلق الأجسام وغيرها فأما أن يستثنى القرآن عن الكلية أي عن قولهم العبد خالق لجميع أفعاله الاختيارية أو ينفى كونه فعلا اختياريا له لكن كل منهما لا يخلوا عن شائبة التخصيص من قواعدهم العقلية وقد يقال مذهبهم أن اللّه تعالى خلق كلامه أولا في العبد ثم لبعد خلق مثله تعالى شأنه عما يقولون (قوله كاللوح المحفوظ) اللوح المحفوظ عند جمهور أهل الشرع جسم فوق السماء السابعة كتب فيه ما كان وما سيكون الى يوم القيامة كما يكتب في الألواح المعهودة وليس هذا بمستحيل لأن الكائنات عندنا متناهية فلا يلزم عدم تناهى اللوح المذكور في المقدار وأما عند الفلاسفة فهو النفس الكلى للفلك الأعظم ترتسم فيه الكائنات ارتسام المعلوم في العالم اذا عرفت هذا ففي قوله يخلقها اللّه تعالى في غيره كاللوح المحفوظ تأمل لأن المخلوق فيه هو النقوش لا الأصوات والحروف وإن حمل على حذف المضاف أي يخلق اللّه دوالها لم يتم التقريب كما لا يخفى وأيضا يلزم التكلف في قوله أو جبرائيل أو النبي عليه الصلاة والسلام لأن المخلوق فيهما نفس الأصوات والحروف (قوله يعبر عنه بالألفاظ) المتبادر منه هو أن الكلام النفسي هو المدلول الوضعي للألفاظ إلا انه لا نزاع في انه أنواع مختلفة وأكثرها معان حادثة فلذا قيل المراد بالتعبير عن المعنى النفسي بالألفاظ هو التعبير بالأثر فإن الصفة الأزلية لما تعلقت بمتعلقاتها حصل منها معان مخصوصة عبر عنها بالألفاظ والحق أن المفهوم من عامة كلماتهم هو أن النفسي مدلول اللفظي وإن كان لا يخلو عن إشكال (قوله ونزعم انه غير العبارات) الاولى أن يقول ونقول لأن استعمال الزعم في الباطل غالبا ولذا قيل زعموا مطية الكذب (قوله إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة الأقوام) أما الأول فلأن التعبير عن إرسال زيد مثلا قبل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت