الدالة على الترتيب بلا مهالة (وكلاهما يوجب الحدوث) إما التأخر عن الإرادة الحادثة في المستقبل فلأن التأخر عن الشيء يوجب الحدوث خصوصا اذا كان ذلك الشيء حادثا وباقيا في الاستقبال وإما التقدم على الكائن الحادث بمدة يسيرة فظاهر أيضا دلالته على الحدوث (الثالث) قوله تعالى (وإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ وإذ ظرف زمان) ماض فيكون قوله الواقع في هذا الظرف مختصا بزمان معين (ولمختص بزمان معين محدث الرابع كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) فإنه يدل على أن القرآن مركب من الآيات التي هي أجزاء متعاقبة فيكون حادثا وكذا قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) يدل على أن كلام اللّه تعالى قد يكون عربيا تارة وعبريا أخرى فيكون متغيرا وذلك دليل حدوثه (الخامس حتى يسمع كلام اللّه) فإنه يدل على أن كلامه مسموع فيكون حادثا لأن المسموع لا يكون إلا حرفا وصوتا (السادس انه) أي القرآن (معجز) إجماعا (ويجب مقارنته أي مقارنة المعجز(للدعوى) حتى يكون تصديقا للمدعى في دعواه فيكون حادثا مع حدوثها (وإلا) أي وأن لم يكن مقارنا لها حادثا معها بل يكون قديما سابقا عليها (فلا اختصاص له به) أي بذلك المدعى وتصديقه (السابع انه) أعني القرآن موصوف بانه (منزل وتنزيل) وذلك يوجب حدوثه لاستحالة الإنتقال بالإنزال والتنزيل على صفاته القديمة القائمة بذاته تعالى (الثامن) قوله عليه السلام في دعائه (يا رب القرآن العظيم يا رب طه ويس) فالقرآن مربوب كلا وبعضا والمربوب
لا يخفى (قوله أما التأخر عن الإرادة الحادثة) أن كان هذا للجبائية القائلين بحدوث الإرادة لا في محل فالأمر ظاهر وأن كان لجمهور المعتزلة فالمراد حدوثها باعتبار تعلقها (قوله فلأن التأخر عن الشيء يوجب الحدوث) لإنحصار القديم عندهم في القديم بالذات وعدم تأخره عن شي ء لا بالزمان ولا بالذات فليتأمل (قوله والمختص بزمان معين محدث) أما المختص بالحال والاستقبال فظاهر وأما المختص بالماضي فلأن الإنتفاء في الحال أو الاستقبال ينافى القدم لأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه (قوله الرابع كتاب أحكمت آياته ثم فصلت) قال ابن عباس رضى اللّه تعالى عنه أحكمت أي لم ينسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع به ثم فصلت تثبت بالأحكام والحلال والحرام وفيه أقوال أخر (قوله وعبر يا أخرى) دلالة الآية الكريمة على أن كلام اللّه تعالى قد لا يكون عربيا ظاهر فإن الذوق السليم يفهم من التخصيص ذلك وأما دلالته على انه قد يكون عبر يا أخرى فبضم أن التورية أيضا كلامه بالاتفاق على أن المراد قد يكون عبريا مثلا فإن المقصود هاهنا مجرد الدلالة على التغير (قوله السادس انه معجزة الخ) للحنابلة أن يقولوا معنى إعجازه انه ظهر في يد النبي عليه السلام ولم يظهر في يد غيره فيكفى مقارنة ظهوره فلا يلزم حدوث ذاته (قوله على صفاته القديمة القائمة بذاته تعالى) إذ لا خفاء في امتناع نزول المعنى القديم القائم بذاته تعالى بخلاف اللفظ فإنه وأن كان عرضا لا يزول عن محله لكن قد ينزل الجسم الحامل له فيوصف اللفظ لذلك بالنزول ولو مجازا