فلا يجوز إخلاله به (والجواب منع وجوب الأصلح) إذ لا يجب عليه شي ء أصلا بل هو متعال عن ذلك قطعا (وأما) امتناع الكذب عليه (عندنا فثلاثة أوجه* الأول انه نقص والنقص على اللّه تعالى محال) إجماعا (وأيضا فيلزم) على تقدير أن يقع الكذب في كلامه (أن تكون) نحن (أكمر منه في بعض الأوقات) أعنى وقت صدقنا في كلامنا وهذا الوجه إنما يدل على أن الكلام النفسي الذي هو صفة قائمة بذاته يكون صادقا وإلا لزم النقصان في صفته تعالى مع كمال صفتنا ولا يدل على صدقه في الحروف والكلمات التي يخلقها في جسم دالة على معان مقصودة ولما كان لقائل أن يقول خلق الكاذب أيضا نقص في فعله فيعود المحذور بعينه أشار الى دفعه بقوله واعلم انه لم يظهر لي فرق بين النقص في الفعل وبين القبح العقلي) فيه (فإن النقص في الأفعال هو القبح العقلي بعينه) فيها (وإنما تختلف العبارة) دون المعني فأصحابنا المنكرون للقبح العقلي كيف يتمسكون في دفع الكذب عن الكلام اللفظي بلزوم النقص في أفعاله تعالى (الثاني انه لو اتصف بالكذب لكان كذبه قديما
كذا ذكره الأبهري (قوله والجواب منع وجوب الأصلح) فإن قلت سلمنا ذلك لكن الكذب في الكلام ينافى حكمة إرسال الرسل ويجاب بأن إحاطة كل حكمة مما لا يأتي في القوى القاصرة فلعل فيما فعله حكمة جليلة لا تطلع عليها (قوله والنقص على اللّه تعالى محال إجماعا) فإن قلت لا شك أن عدم إرساله تعالى نوحا عليه السلام الى قومه ممكن لأن الإرسال غير واجب عليه تعالى بل واقع باختياره والإنكار مكابرة فيلزم إمكان النقص قلت إمكان النقص إنما يلزم اذا أمكن اجتماع عدم الإرسال مع صدور قوله تعالى إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ وهو ممنوع وامتناع هذا الاجتماع لا ينافى إمكان عدم الإرسال في نفسه بناء على قاعدة الاختيار فتدبر (قوله أشار الى دفعه بقوله واعلم الخ) لا يخفى أن ظاهر قول المصنف واعلم الخ هو الاعتراض على الوجه الأول المذكور في المتن ولما توجه عليه أن اللازم من الكذب النقص من جهة صفته الذاتية لا النقص في الفعل والمتنازع في جواز الثاني لا الأول فإنه ممتنع بالإجماع كما ستعرف تكلف الشارح في توجيه كلامه بتقدير سؤال بان الدليل المذكور لا يدل على امتناع الكذب في كلامه اللفظي وجواب بانه يدل عليه أيضا لأن خلق الكاذب نقص في فعله وجعل هذا الكلام اعتراضا على الجواب المقدر وأنت خبير بأن هذا لا يخلو عن تمحل لكن الشارح تبع فيه الأبهري وهو تلميذ المصنف فاعلم بمراده وإلا فالأقرب أن نجعل اعتراضا على أصل الدليل في المتن فإنه لما قيل أن الكذب نقص وهو محال عليه تعالى وأفاد ظاهر أن لا يكون كاذبا في كلامه على الإطلاق اتجه أن يقال إنما يدل ذلك على انتفاء الكذب عليه مطلقا لو كان النقص في فعله غير القبح العقلي الذي نحن لا نقول به لكن لم يظهر كونه غيره (قوله لكان كذبه قديما إذ لا يقوم الحادث بذاته تعالى) المراد بالكذب الكلام الكاذب وبالصدق الكلام الصادق ولذا قال الأبهري في تقرير هذا الوجه الثاني لو جاز عليه الكلام الكاذب لكان ذلك الكلام قديما لامتناع قيام الحادث بذاته تعالى الخ ولا شك في كونه صفة حقيقة ثم التعلق الذي يتوقف عليه الاتصاف بالخبرية