فيهما أفاد لنا العلم بان كل نظر صحيح يفيد العلم ثم أن حكمنا بان هذا النظر الجزئي الواقع في هاتين المقدمتين يفيد العلم بديهي لا يحتاج فيه إلا إلى تصور الطرفين من حيث خصوصهما فقط من غير أن يعلم أنه من أفراد النظر أولا فلا يلزم حينئذ إلا توقف العلم بالقضية الكلية على العلم بالقضية الشخصية (وقد تكون) القضية (المشخصة ضرورية) معلومة بالضرورة كما ذكرناه من الحكم بإفادة العلم على هذا النظر الجزئي (دون الكلية أو المهملة) بل تكونان نظريتين وذلك جائز (لاختلاف العنوان) في المشخصة والكلية والمهملة فيجوز اختلافها في الضرورية والنظرية (فان) الحكم (البديهي مشروط بتصور الطرفين) بلا شبهة (وتصور الشيء بكونه نظر إما) كما في القضية الكلية والمهملة (غير تصوره باعتبار ذاته المخصوصة) كما في القضية المشخصة فجاز أن يكون تصوره من حيث ذاته المخصوصة مع تصور المحكوم به كافيا في الحكم بينهما فتكون المشخصة ضرورية ولا يكون تصوره من حيث انه فرد من أفراد النظر كذلك فلا تكون الكلية ولا المهملة ضرورية بل نظرية موقوفة على تلك المشخصة ولا استحالة فيه فان قلت لا شك أن الكلية مشتملة على أحكام
(قوله ثم إن حكمنا الخ) أي بعد ما تحققت إن هاهنا إثباتا للكلية أو المهملة بشخصية وعلمت أنه ليس إثبات الشيء بنفسه فاعلم أن الحكم في تلك المشخصة بديهي حتى لا يختلج في وهمك أن الحكم بإفادة هذا النظر الجزئي نظري لفرض الكلية أو المهملة نظرية فيحتاج إلى نظر آخر وهو أيضا نظري فيلزم الدور أو التسلسل فقوله ثم إن حكمنا الخ دفع اعتراض يرد بعد بيان أنه ليس فيه إثبات الشيء بنفسه (قوله فلا يلزم حينئذ إلا توقف الخ) لا التوقف على نظر آخر فلا يلزم الدور أو التسلسل (قوله فجاز أن يكون تصوره الخ) مثلا اذا كان ذلك النظر الجزئي على هيئة الشكل الأول كما مر يكون إنتاجه بينا وإفادته للعلم بالنتيجة بديهية فيكون تصوره كافيا في الحكم بانه مفيد (قوله لا شك الخ) يعنى أن ما ذكر وإن دل على تغاير المثبت والمثبت بالكلية والجزئية فلا يكون إثبات الشيء بنفسه لكنه يلزم ذلك بطريق آخر وهو انه اذا ثبت الكلية ينظر جزئي يكون ذلك
قلت بل أراد به أن الكبرى بديهية لا تحتاج إلى التنبيه كما دل عليه قوله لا شبهة فيها ويمكن أن يقال أيضا البديهي قد يكون نظريا نظرا إلى لميته كما صرح به في شرح المقاصد (قوله ثم إن حكمنا الخ) قيل لا حاجة إلى هذه المقدمة في أصل المطلوب فان المقدمتين لما حصلتا في الذهن مرتبتين حصل المطلوب وهو إن العلم الحاصل عقيب النظر الصحيح علم وأما أن حال إفادة هاتين المقدمتين لذلك المطلوب ما ذا فلا حاجة بنا إلى بيانه وإنما هو بيان للواقع ثم للمعترض أن يعود ويقول لو كان ضروريا لما اختلف العقلاء فيه ولما وجد التفاوت بينه وبين سائر البديهيات فتضطر إلى