دون العدمية إذ لا وجود لها ألا ترى أنه اذا قيل لم اتصف زيد بالعمى كان سؤالا مقبولا عند العقلاء بخلاف ما لو قيل لأي شيء وجد العمى في نفسه وكما يجوز أن يعلل اتصاف الشيء بوصف من الأوصاف الثبوتية باتصافه ببعض آخر منها كذلك يجوز أن يعلل اتصافه ببعض الاعتباريات ببعض آخر منها وكما أن العلل هناك موصوفة بالتقدم على معلولاتها كذلك هاهنا موصوفة به أيضا اذا عرفت هذا فالمقصود في هذا المقام بيان أن علة اتصاف الممكن بالحاجة في نفس الأمر ما ذا فذهب القدماء إلى أن تلك العلة هي اتصافه بالإمكان وذهب جمهور المتأخرين إلى أنها اتصافه بالحدوث وحده أو مع غيره فورد عليهم أن اتصاف الحادث بالحدوث في نفس الأمر متأخر بالذات عن اتصافه بالوجود فيها واتصافه بالوجود متأخر كذلك عن الإيجاد وهو أيضا متأخر كذلك عن احتياجه فلا يمكن أن يكون اتصافه بالحدوث علة لاتصافه بالحاجة وهذا كلام منقح لا مغالطة فيه أصلا إذ لم يرد به أن هذه
العدمية فانه انتزاعي (قوله فذهب القدماء) أي الأوائل وهم الحكماء ويؤيده ما وقع في بعض النسخ في مقابلته وذهب جمهور المتكلمين وفي بعض جمهور المتأخرين أي المتكلمين ولا يتوهم أن المراد قدماء المتكلمين المتأخرين منهم فانه لم يذهب قدماؤهم إلى علية الإمكان أصلا كما هو منصوص في الكتب ثم أن هذا الاختلاف انما يتأتى اذا كان الاتصاف بالحاجة معللا بعلة سوى ذات الممكن ولم يجوز أن يكون ذلك مقتضي ذاته من غير أن يكون للإمكان أو الحدوث مدخل في ذلك فانحصار الاختلاف في الحدوث والإمكان يشعر بان الاختلاف في علة الحكم بالاتصاف ويؤيده استدلال الفريقين بان ملاحظة الإمكان وحده أو الحدوث وحده يكفى في الحكم بالاحتياج وكذا استدلالهم على ثبوت الواجب بإمكان العالم أو حدوثه يؤيد ذلك وعلى هذا يجوز أن يكون كل من الإمكان والحدوث علة للحكم بالحاجة إذ لا تنافى بين أن يكون لمطلوب واحد دليلان كما وقع في شرح المقاصد من أن كلام الفريقين في الأبطال مغالطة وأما في الأثبات فكلام المتأخرين أظهر وبالقبول أجدر (قوله اتصافه بالحدوث الخ) وتعليل بعض الاعتباريات ببعض لا ينافى القول باستناد جميع الموجودات الممكنة إليه تعالى ابتداء
(قوله وهذا كلام منقح لا مغالطة فيه أصلا الخ) فان قلت ما ذكره المصنف هو الموافق لأصول المتكلمين دون ما ذكره الشارح لأنهم لما أسندوا جميع الأشياء إلى اللّه تعالى ابتداء لم يتصور منهم أن يعللوا بعضها ببعض كما هو دأب الفلاسفة فوجب أن يقصدوا بقولهم علة الاحتياج الحدوث العلة في التصديق لا الثبوت دفعا لمناقضة أصولهم قلت إما المعتزلة من المتكلمين فلا شك انهم قائلون بعلية بعض الأشياء للبعض