فحيث بين أن كون الباري عقلا وعاقلا ومعقولا لا يقتضي كثرة في ذاته فسر العلم بالتجرد عن المادة وحيث قيد اندراج العلم في مقولة الكيف بالذات وفي مقولة المضاف بالعرض جعله عبارة عن صفة ذات إضافة وحيث ذكر أن تعقل الشيء لذاته ولغير ذاته
(قوله فسر العلم بالتجرد عن المادة) في الشفاء الواجب لذاته عقل محض لأنه ذات مفارقة عن المادة من كل وجه وقد عرفت أن السبب في أن لا يعقل الشيء هو المادة وعلائقها لا وجوده وأما الوجود الصوري فهو الوجود العقلي وهو الوجود الّذي اذا تقرر في شي ء صار للشيء به عقل والّذي يحتمل بنيله هو عقل بالقوة والذي ناله بالفعل هو عقل بالفعل على سبيل الاستكمال والذي هو له ذاته هو عقل بذاته وكذلك هو معقول محض لان المانع للشيء أن يكون معقولا هو أن يكون في مادة وعلائقها وهو المانع من أن يكون عقلا وقد تبين لك هذا فالمتبري من المادة والعلائق المتحقق الوجود المفارق وهو معقول لذاته ولأنه عقل بذاته وهو أيضا معقول بذاته فهو معقول ذاته فذاته عقل ومعقول وعاقل لا أن هناك أشياء متكثرة وذلك لأنه بما هو هوية مجردة عقل وبما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته فهو معقول لذاته وبما يعتبر له إن ذاته له هوية مجردة هو عاقل ذاته انتهى ولا يخفي على المنصف انه كلام ينادي بأعلى صوته بأن التجرد شرط للتعقل وأن المادة ولواحقها مانع له وإن العقل هو الهوية المجردة (قوله اندراج العلم) أي العلم الحصولي (قوله جعله عبارة عن صفة ذات إضافة) إن أراد بالصفة الصورة المجردة فهو حق فانه بين الشيخ في منطق الشفاء في فصل حل شك متعلق بمداخلة أنواع من الكيف كالعلم لأنواع المضاف بما لا مزيد عليه إن العلم عبارة عن صورة مجردة عن المادة مطابقة لأمور من خارج وانه ليس من المضاف الأعلى انه عارض له المضاف عروضا لازما لا على انه نوع من المضاف لكن لا اضطراب حينئذ في كلامه وإن أراد بها غير الصورة المجردة على ما قاله المتكلمون من انه صفة حقيقية ذات إضافة كالقدرة فليس في كلامه أثر من ذلك
الآراء في تلك الحقيقة ومختاره يكون واحدا منها وهذا أقرب مما نقل عن الشارح حيث قال جاز أن يكون ابن سينا ذكر في تعريف العلم في كل موضع ما يحتاج إليه فيه وما به يتميز عن الشيء الّذي أريد تمييزه عنه في هذا الموضع وإن أورد ذلك في صورة التعريف ومثل هذا أكثر في كلامهم مثلا اذا أريد تمييز المثلث عن الدائرة يقال عند ذلك المثلث هو المضلع فيتميز عنها بذلك القدر وإن لم يتميز عن سائر المضلعات كالمربع وغيره فليتأمل (قوله فسر العلم بالتجرد عن المادة) إن كان هذا تعريفا وتفسيرا للعلم فهو ظاهر الفساد كيف وكون التجرد عين العلم كما يفهم من كلامه باطل إلا أن يريد انه ليس في الخارج أمر زائد عليه وإن كان تنبيها على انه أمر لا بد منه في العلم وظاهر انه كذلك فله وجه وجيه