معا وقبول إحداهما دون الأخرى (الفرقة الأولى المعترفون بهما وهم الأكثرون) الظاهرون على الحق القويم والصراط المستقيم إلى العقائد الدينية وسائر المطالب اليقينية (الفرقة الثانية القادحون في الحسيات فقط) أي دون البديهيات (وهذا) القدح (ينسب إلى أفلاطون وأرسطو وبطلميوس وجالينوس) صرح بهذه النسبة الإمام الرازي ولما كان هذا القدح منهم مستبعدا جدا أشار المصنف إلى تأويله على تقدير صحة النسبة إليهم بقوله (و لعلهم أرادوا) بقولهم أن الحسيات غير يقينية (أي جزم العقل) بالحسيات (ليس بمجرد الحس بل) لا بد له (مع) الإحساس من (أمور تنضم إليه) أي إلى الحس (فتضطره) أي تلجئ تلك الأمور العقل (إلى الجزم) بما جزم به من الحسيات (لا نعلم ما هي) أي ما تلك الأمور المنضمة إلى الإحساس الموجبة للجزم (ومتى حصلت) لنا (وكيف حصلت) فلا تكون الحسيات بمجرد تعلق الإحساس بها يقينية وهذا حق لا شبهة فيه (وإلا) أي وان لم يريدوا بالقدح في الحسيات ما ذكرناه من التأويل (فاليها) أي إلى الحسيات (تنتهى علومهم) فيكون القدح الحقيقي فيها قدحا في علومهم التي يفتخرون بها وذلك لا يتصور ممن له أدنى مسكة فكيف من هؤلاء الأذكياء الأجلاء وإنما قلنا بانتهاء علومهم إليها لأن العلم الإلهي المنسوب إلى أفلاطون مبنى على الاستدلال بأحوال المحسوسات المعلومة بمعاونة الحس وأكثر أصول العلم الطبيعي المنسوب إلى أرسطو كالعلم بالسماء والعالم وبالكون والفساد وبالآثار العلوية وبأحكام المعادن والنبات والحيوان مأخوذ من الحس وعلم الإرصاد والهيئة المنسوب إلى بطلميوس مبنى على الإحساس وأحكام المحسوسات وعلم التجارب الطبية المنسوب إلى جالينوس مأخوذ من المحسوسات هذا وقد صرحوا بأن الأوليات إنما تحصل للصبيان باستعداد يحصل لعقولهم من الإحساس بالجزئيات فالقدح في الحسيات يئول إلى
(قوله ليس بمجرد الحس) والا لما وقع الغلط فيها
لوجود احتمالات أخر باعتبار قبول بعض أحدهما مع كل الآخر أو مع بعضه (قوله ليس بمجرد الحس) والا لما وقع الغلط في أحكام الحس قيل احتجاجهم المذكور بظاهره لا يلائم حمل مدعاهم على هذه الإرادة (قوله فالقدح في الحسيات يئول إلى القدح في البديهيات) يمكن أن يناقش فيه أن القدح في الحسيات بمعنى أن الحس لا يفيد اليقين والقدح فيها بهذا المعنى لا يئول إلى القدح في البديهيات لجواز أن يكون الإحساس بالجزئيات والحكم عليها بطريق الظن كافيا في الاستعداد في البديهيات