صورة الملك (فانا أجزم بان ابني هذا ليس جبريل وكذا الذبابة) التي نراها ليست جبريل (وأنتم) يا أهل الملة (تجوزونه) أي تجوزون ما ذكر من كون ابنى أو الذبابة جبريل (إذ نقلتم أنه كان يظهر) جبريل تارة (في صورة دحية الكلبى) وكان له أخرى دوى كدوى الذباب (و الجواب أن الإمكان) أي إمكان نقائض ما جزمنا به من العاديات (لا ينافي الجزم بالوقوع) أي وقوع تلك الأمور العادية جزما مطابقا للواقع ثابتا لا يزول بالتشكيك أصلا (كما في بعض المحسوسات) فانا نجزم بأن هذا الجسم شاغل لهذا الحيز في هذا الآن جزما لا يتطرق إليه شبهة مع أن نقيضه ممكن في ذاته فقد ظهر أن الجزم في العاديات واقع موقعه وليس فيها احتمال النقيض القادح في الجزم وإما احتمال النقيض بمعنى إمكانه الذاتي فليس بقادح فيها كما في المحسوسات اليقينية وقد مر ذلك في تعريف العلم الشبهة (الثالثة) لمنكري البديهيات فقط أن يقال (للأمزجة والعادات تأثير في الاعتقادات فقوى القلب) بحسب المزاج (يستحسن الإيلام) ولا يستقبحه بل ربما يلتذ به (وضعيف القلب يستقبحه) جدا ولذلك ترى بعضهم لا يجوزون ذبح الحيوانات للانتفاع بأكلها (و من مارس مذهبا من المذاهب) حقا كان أو باطلا واعتاد به (برهة من الزمان ونشأ عليه فانه) بمجرد اعتياده به من غير أن يلوح له ما يظهر به حقيته (يجزم بصحته) وإن كان باطلا (وبطلان ما يخالفه) وإن كان حقا (فجاز أن يكون الجزم) من بديهة العقل (في الكل) أي كل ما حكمت به
(قوله وكان له وأخرى الخ) أي تارة أخرى [قوله دوي] أي صوت خفي كدوي الذباب فيجوز أن تكون الذبابة جبريل بتبديل الصورة ودويها دويه [قوله كما في المحسوسات الخ] إشارة إلى نقض تلك الشبهة فإنها جارية فيها مع انهم قائلون بها
[قوله بأن ابنى هذا ليس جبريل] قيل المناسب أن يسقط لفظ هذا ويقال أنا أجزم بأن ابني أي من حكم بكونه ابني ووصف ببنوتي وولدي وهو على صورته وصفته الآن ليس بجبريل حتى لا تكون القضية من الحسيات إذ هم قائلون بالحسيات وكون القضية منها يقتضي القدح فيها أيضا [قوله وكان له أخرى دوي كدوى الذباب] فيه بحث لأن المستفاد من هذا النقل أن جبرئيل عليه السلام كان له دوي كدوي الذباب وهذا لا يستلزم كونه على صورته حتى يستدل به على تجويز أهل الملة كون الذبابة التي نراها جبرئيل عليه السلام وليس الكلام في التجويز في نفس الأمر بل في الاستدلال عليه بهذا المنقول تدبر