أظهر معجزاته الدالة على نبوته فانه الباقي على وجه كل زمان والدائر على كل لسان بكل مكان (كتابا عربيا مبينا) أي ظاهرا إعجازه أو مظهرا للأحكام من أبان بمعنى ظهر أو أظهر (فأكمل لعباده دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام دينا) مأخوذ من قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية (كتابا) بدل من كتابا عربيا (كريما) مرضيا جامعا لمنافع لا تستقصى (و قرآنا) مقروءا (قديما) لان كلامه تعالى من صفاته الحقيقية التي لا مجال للحدوث فيها (ذا غايات) هي أواخر السور (ومواقف) هي فواصل الآيات (محفوظا في القلوب) ويروي في الصدور (مقروءا بالألسن مكتوبا في المصاحف) وصف القرآن بالقدم ثم صرح بما يدل على انه هذه العبارات المنظومة كما هو مذهب السلف حيث قالوا إن الحفظ والقراءة والكتابة حادثة لكن متعلقها أعني المحفوظ والمقروء والمكتوب قديم وما يتوهم من أن ترتب الكلمات والحروف وعروض الانتهاء والوقوف مما يدل على الحدوث فباطل لان ذلك لقصور في آلات القراءة وأما ما اشتهر عن الشيخ أبى الحسن الأشعري من أن القديم معنى قائم بذاته تعالى قد عبر عنه بهذه العبارات الحادثة فقد قيل انه غلط من الناقل منشأه اشتراك لفظ المعني بين ما يقابل اللفظ وبين ما يقوم بغيره
(حسن جلبي)
النبوة ولو قال عليه لم يفهم ذلك (قوله والدائر على كل لسان بكل مكان) يعنى السنة المسلمين وأمكنتهم فان البعثة لما كانت عامة إلى الأسود والأحمر كان القرآن دائرا بين كلهم حقيقة أو حكما بخلاف التوراة مثلا فإنها ليست دائرة على بعض مسلمي ذلك الزمان لا حقيقة ولا حكما وكذا الكلام في قوله بكل مكان (قوله وصف القرآن بالقدم الخ) قيل هذا صلح عن تراضي الخصمين فان المصنف في بحث الكلام سيختار أن الألفاظ حادثة والقديم معناها وأنت خبير بان الشارح سيحقق ما عليه المصنف في أثناء بحث الكلام حيث ما أشعر به كلامه هاهنا من انه يوافق السلف وعليه نص في شرح المختصر وأما ما ذكره في الإلهيات من أن القديم هو المعنى وأما العبارات فحادثة وراء المعترض فليس المراد منه إلا نقل مذهب القوم (قوله لقصور في آلات القراءة) فحينئذ وصفه بالغايات والمواقف يحتاج إلى التأويل وقد يقال ترتب الكلمات وتقدم بعضها على بعض لا يقتضي الحدوث لان القديم ربما لا يكون زمانيا وضعيا كالحروف المطبقة في سمع دفعة من طابع عليه وبه يندفع لزوم عدم الفرق بين علم وملع إلا أن في ادراك مثل هذا الترتيب في الألفاظ بدون النقوش نوع غموض (قوله منشأه اشتراك لفظ المعنى الخ) يريد أن الشيخ قال أن القديم هو معنى قائم بذاته تعالى ففهم