تحصيله مقدورا لم يكن الانفكاك عنه مقدورا وذلك كالمحسوسات بالحواس الظاهرة فإنها لا تحصل بمجرد الإحساس المقدور لنا بل تتوقف على أمور غير مقدورة لا نعلم ما هي ومتى حصلت وكيف حصلت كما سنذكره بخلاف النظريات فإنها تحصل بمجرد النظر المقدور لنا وكالمحسوسات بالحواس الباطنة مثل علم الإنسان بلذته وألمه وكالعلم بالأمور العادية مثل علمنا بان الجبال المعهودة لنا ثابتة والبحار غير غائرة وكالعلم بالأمور التي لا سبب لها ولا يجد الإنسان نفسه خالية عنها مثل علمنا بان النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان (و البديهي
وقد اعترفت بانه غير مقدور نعم الانفكاك عن الإحساس مقدور وهو لا يستلزم مقدورية الانفكاك عن العلم (قوله لا تحصل بمجرد الإحساس) وإلا لما عرض الغلط (قوله بل تتوقف الخ) فاذا تحققت تلك الأمور مع الإحساس حصل العلم والا فلا وتلك الأمور غير مقدورة لنا لان القدرة لا تتعلق إلا بالمعلوم وتلك الأمور غير معلومة فقوله لا نعلم ما هي جملة مستأنفة بيان لكون تلك الأمور غير مقدورة وليس صفة لأمور على ما وهم ثم اعترض بانه اذا لم تكن معلومة كيف يحكم على غير المعلوم بانها غير مقدورة (قوله فإنها تحصل الخ) أي حصولها دائر على النظر المقدور وجودا وعدما فتكون مقدورة لنا إذ لا معنى لمقدورية العلم إلا مقدورية طريقه وذا لا ينافي توقفها على تصور الأطراف الضرورية فتدبر فانه قد زل فيه الأقدام (قوله وكالعلم بالأمور التي الخ) أي العلم البديهي واذا لم يكن له سبب صدق انه ليس تحصيله مقدورا لنا إذ لا معنى لكون العلم مقدورا إلا كون شبيه وطريقه مقدورا فان قلت أ ليس ذلك العلم حاصلا لنا بمجرد الالتفات المقدور لنا فيكون مقدورا قلت الالتفات قدر مشترك بين جميع العلوم فليس ذلك سببا له بل لخصوصية الأطراف مدخل فيه ومعنى كون مجرد الالتفات كافيا فيه انه لا احتياج فيه إلى سبب آخر لا انه سبب تام كما أشار إليه الشارح بقوله من غير استعانة بحس أو غيره أي من الأسباب
(قوله بل تتوقف على أمور غير مقدورة لا نعلم ما هي) فيه بحث وهو أن الحكم على غير المعلوم بانه غير مقدور كيف يصح مع جواز أن يكون مقدورا لنا وان لم نطلع على طريق تحصيله المقدور ويؤيده ما سيأتي من قوله لجواز أن يكون للكسب طريق آخر غير النظر مقدور لنا وان لم نطلع عليه فتأمل (قوله بخلاف النظريات الخ) يرد عليه أن اعتبار القدرة على التحصيل فيها إن كان بطريق المدخلية في الجملة عادة كما هو الظاهر يلزم أن تكون العلوم الضرورية التي تتوقف على قدرتنا في الجملة كما تتوقف على التجربة والإحساس غير ضرورية فانه مما فيه مدخل لقدرة المخلوق وان كان على وجه الكفاية والاستقلال فهو خلاف المذهب فان قلت نختار أن القدرة قد اعتبرت على وجه الاستقلال عادة بمعنى