فهرس الكتاب
لزمه إكرام من نزل عنده من الضيوف، والبر بهم، والإحسان إليهم، وكان ذلك دليل كمال ثقته بالله تعالى وصدق توكله عليه، فقال - عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» .
الضيافة حق أم إحسان؟ الضيافة من مكارم الأخلاق وآداب الإسلام، وخلق النبيين والصالحين، وهل هي كرم وإحسان من المزور، أم حق للضيف واجب عليه؟ فقد اختلف العلماء في ذلك:
فذهب أحمد والليث إلى أنها واجبة يوما وليلة، لما رواه ابن ماجه من قوله - صلى الله عليه وسلم: «لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» . وفي الصحيحين: عن عقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قُلْنَا يَا رَسُوْلَ اللهِ، إِنَّكَ تَبْعَثُنَا، فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لاَ يُقْرُوْنَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوْا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِيْ لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوْا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوْا، فَخُذُوْا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ اَلَّذِيْ يَنْبَغِيْ لَهُمْ» . ولقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحث: «فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» . فهو أمر، والأمر للوجوب. وإذا قيل بوجوب الضيافة وامتنع عنها المزور، فهل يأخذ الضيف حقه من ماله بنفسه، أو يرفع ذلك إلى الحاكم ليأخذ له حقه؟ في ذلك عن أحمد - رحمه الله تعالى - روايتان.
والجمهور على أن الضيافة مستحبة، ومن باب مَكَارِمِ الأخلاق، وليست بواجبة، لقوله - صلى الله عليه وسلم: «فَلْيُكْرِمْ» وفي رواية: «فَلْيُحْسِنْ» وكل منهما لا يدل على الوجوب، لأن الإكرام والإحسان من باب البر ومن مكارم الأخلاق.
من أدب الضيافة وكرمها البِشْر والبشاشة في وجه الضيف، وطيب الحديث معه، والمبادرة بإحضار ما تيسر عنده من طعام وشراب، ويزيد عما يطعمه أهله وعياله في المعتاد مدة يوم وليلة، وفي اليومين الآخرين يطعمه كما يطعم عياله، من غير كلفة ولا إضرار بهم.
روى مسلم من قوله - صلى الله عليه وسلم: «اَلضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ» .