فإنله مثل ذلك، بل له أن يتجسس في مثل هذه المنكرات على المواضع التي تثار حولها الشبه والشكوك وتكتنفها الظنون، حتى لا تنشط جراثيم الرذيلة في بؤر الدنس والإثم، أما إذا لم تكن المنكرات من هذا القبيل، فليس له ذلك. وقد قيل لابن مسعود - رضي الله عنه: إن فلانًا تقطر لحيته خمرًا، فقال: نهانا الله عن التجسس.
15 -لا إنكار لما اختلف فيه: لقد قرر العلماء أن الإنكار يكون لفعل ما أجمع المسلمون على تحريمه أو ترك ما أجمعوا على وجوبه، كشرب الخمر، والتعامل بالربا، وسفور النساء، ونحو ذلك، أو ترك الصلاة أو الجهاد ونحو ذلك أيضًا.
أما ما اختلف العلماء في تحريمه أو وجوبه فلا ينكر على فعله أو تركه، شريطة أن يكون هذا الاختلاف ممن يعتد بهم العلماء، وأن يكون ناشئًا عن دليل. فلا يعتد بخلاف المبتدعة والفرق المخالفة للسنة كالخوارج ونحوهم، كما لا يعتدّ فيما كان الخلاف فيه ضعيفا، لكونه لا دليل عليه، أو لقيام أدلة صحيحة على خلافه، وذلك كنكاح المتعة، وهو الزواج المحدد بوقت، فهو باطل، وينكر على فاعله، بل يعتبر زانيا، ويقام عليه الحد، وإن قالت به بعض طوائف المسلمين، لقيام الأدلة الصحيحة الصريحة على تحريمه، ونسخ حلّه.
16 -عموم المسؤولية وخصوصها: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب الأمة جمعاء، فكل مسلم علم بالمنكر وقدر على إنكاره وجب عليه ذلك على الوجه الذي علمت، لا فرق في ذلك بين حاكم ومحكوم أو عالم وعامي. قال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 11] . وقال سبحانه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة: 71] . وكل من الخطابين للأمة عامة، وكذلك أكثر نصوص السنة، الخطاب فيها عام لجميع الأفراد: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ» ، «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ» ولكن هذه المسؤولية تتأكد على صنفين من الناس، وهما: العلماء والأمراء.