فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 382

وأما المشتبهات: فمعناه أنها ليست بواضحة الحل والحرمة، ولهذا لا يعرفها كثير من الناس، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص أو قياس، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن نص ولا إجماع اجتهد فيه المجتهد، فألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي.

ومن الورع ترك الشبهات، مثل عدم معاملة إنسان في ماله شبهة أو خالط ماله الربا، أو الإكثار من مباحاتٍ تركها أولى.

أما ما يصل إلى درجة الوسوسة من تحريم الأمر البعيد فليس من المشتبهات المطلوب تركها، ومثال ذلك: ترك النكاح من نساء بلد كبير خوفًا من أن يكون له فيها محرم، وترك استعمال ماء في فلاة، لجواز تنجسه .. فهذا ليس بورع، بل وسوسة شيطانية.

قسَّم ابن المنذر المشتبهات إلى ثلاثة أقسام:

شيء يعلمه المرء حرامًا، ثم يشك فيه، هل هو باقٍ على حله أم لا؟ فلا يحل الإقدام عليه إلا بيقين، كشاتين ذبح إحداهما وثني، وشككنا في تعيينها.

وعكسه أن يكون الشيء حلالًا فيشك في تحريمه؛ كالزوجة يشك في طلاقها. وكالحدث يشك فيه بعد يقين الطهارة، فلا أثر له.

وشيء يشك في حرمته أو حلِّه على السواء، فالأولى التنزه عنه؛ كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التمرة الساقطة، روى البخاري ومسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إِنِّيْ لَأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِيْ فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِيْ، فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا؛ ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُوْنَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَأُلْقِيْهَا» .

قال أبو الدرداء - رضي الله عنه: تمام التقوى أن يتقي اللهَ العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة، وحين يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حرامًا؛ حجابًا بينه وبين الحرام.

وقال الحسن البصري: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام.

وقال الثوري: إنما سموا المتقين؛ لأنهم اتقوا ما لا يُتَّقى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت