أما إذا ترك المسلم أحد أركان الإسلام وامتنع عن القيام به، فقد ذهب مالك والشافعي إلى قتل الممتنع عن الصلاة حدًا، وذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك إلى قتله كفرًا. وأما الممتنع عن الزكاة أو الصوم أو الحج، فقال الشافعي: لا يُقتل بذلك. وروى أحمد في ذلك قولان، والمشهور عنه قتل الممتنع عن أداء الزكاة.
5 -الإيمان المطلوب: وفي الحديث دلالة ظاهرة لمذهب المحققين من السلف والخلف؛ أن الإيمان المطلوب هو التصديق الجازم، والاعتقاد بأركان الإسلام من غير تردد، وأما معرفة أدلة المتكلمين والتوصل إلى الإيمان بالله بها، فهي غير واجبة، وليست شرطًا في صحة الإيمان، وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديثه هذا، وفي غيره من الأحاديث، يكتفى بالتصديق بما جاء به، ولم يشترط معرفة الدليل.
6 -معنى قوله - صلى الله عليه وسلم: «إِلَّا بِحَقِّهَا» : وفي رواية: «إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ» ، سبق أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - استنبط من هذا الحق إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ومن العلماء من استنبط منه فعل الصيام والحج أيضًا، ومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم إذا ارتكب محرمًا يُوجب القتل.
وقد ورد تفسير هذا الحديث في حديث رواه الطبراني وابن جرير الطبري عن أنس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُوْلُوْا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوْهَا عَصَمُوْا مِنِّيْ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ تَعَالَى» . قِيْلَ: وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: «زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وَكُفْرٌ بَعْدَ إِيْمَانٍ، وَقَتْلُ نَفْسٍ فَيُقْتَلُ بِهِ» .
قال ابن رجب: ولعل آخره من قول أنس، وقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه. ويشهد لهذا ما في البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّيْ رَسُوْلُ اللهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: اَلثَّيِّبُ الزَّانِيْ، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِيْنِهِ اَلْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» .