فهرس الكتاب
وإن هذا الإنسان لا يدري متى ينتهي أجله ويأتيه الموت {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان:34] .
فهذه الدنيا فانية مهما طال عمر الإنسان فيها، وهذه حقيقة مشاهدة، نراها كل يوم وليلة، ونحس بها كل ساعة ولحظة. ثم لا بد لهذا الإنسان من أن يعيش حياة دائمة مستقرة خالدة، لا نهاية لها ولا أمد، تلك الحياة الباقية هي الحياة الباقية، هي الحياة الأخروية، بعد أن يبعث الله عز وجل الناس من قبورهم، ويجمعهم إليه ليحاسبهم على أعمالهم، ويقضي بينهم، إما إلى جنة عرضها السماوات والأرض، أعدت للمتقين، خالدين فيها أبدا، وإما إلى نار وقودها الناس والحجارة، أعدت للكافرين، وما هم منها بمخرجين.
فالمؤمن العاقل هو الذي لا يغترّ بهذه الدنيا، ولا يسكن إليها ويطمئن بها، ويظنها كل شيء، بل يقصر أمله فيها، ويجعلها مزرعة يبذر فيها العمل الصالح ليحصد ثمراته في الآخرة، ويتخذها مطية للنجاة على الصراط الممدود على متن جهنم؛ وقد اتفقت على التنبيه إلى هذه الحقيقة وصايا الأنبياء وأتباعهم. قال الله تعالى حاكيا عن مؤمن آل فرعون: {إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ} [فاطر: 39] .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مالي وللدنيا؛ إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال (1) في ظل شجرة ثم راح وتركها» .
3 -الدنيا معبر للآخرة وطريق: والمؤمن إما غريب فيها أو عابر سبيل، فهو لا يركن إليها، ولا يشغل بزخرفها ويخدع بما فيها، فهي ليست أهلًا لأن يتعلق بها ويجهد نفسه من أجلها، لأنها دار عبور وليست بدار قرار {وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران:185] .
وإنما يستشعر المؤمن في نفسه وقلبه دائمًا وأبدً: أن يعيش في هذه الدنيا عيش الغريب عن وطنه، البعيد عن أهله وعياله، فهو دائمًا وأبدًا في شوق إلى رُبَى الْوطن، وفي حنين إلى لقيا الأهل والعيال والأحباب والخلان. ومهما طالت غربته في البلد الذي هو فيه، لا يطمئن إليه، ولا يزال قلبه يتلهف إلى مفارقته.
وبذلك لا يشد فيه بناء، ولا يقتني فراشًا ولا أساسًا، بل
(1) قال: نام في النهار ليستريح.