بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة:54] .
ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل كثرة تلاوة القرآن وسماعه بتفكر وتدبر وتفهم.
ففي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعا: «ما تقرب العبد إلى الله بمثل ما خرج منه» يعني: القرآن، ولا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم.
وقال ابن مسعود: من أحب القرآن أحب الله ورسوله.
ومن أعظم النوافل كثرة ذكر الله، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152] .
وفي البخاري ومسلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منه.
6 -أثر محبة الله في وليه: يظهر أثر محبة الله في وليه بما ورد في الحديث «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» .
وفي بعض الروايات «وقلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به» .
قال ابن رجب: والمراد من هذا الكلام أن من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض ثم بالنوافل قربه إليه ورقاه من درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى ومحبته وعظمته، وخوفه ومهابته، والأنس به والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدًا له بعين البصيرة.
ومتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى، محا ذلك من القلب كل ما سواه، ولم يبق للعبد شيء من نفسه وهواه، ولا إرادة إلا لما يريده منه مولاه، فحينئذ، لا ينطق العبد إلا بذكره، ولا يتحرك إلا بأمره، فإن نطق، نطق بالله، وإن سمع، سمع به، وإن نظر، نظر به، وإن بطش، بطش به، فهذا هو المراد بقوله: «كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِيْ يَسْمَعُ بِهِ ... » .