فهرس الكتاب
لا يملكون المال ليتصدقوا به، ويبرهنوا عن صدق إيمانهم وحسن إسلامهم، وقد سمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن: «الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ» ، وقرؤوا وسمعوا آيات الله تعالى وأحاديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - تحثّ على الإنفاق، وتثني على المنفقين، وتعدهم جنات عرضها السماوات والأرض، ورأوا أصحابهم وإخوانهم من ذوي الثراء والغنى يسارعون إلى إنفاق المال بجود وسخاء، فهذا يأتي بماله، والآخر بشطره، وثالث بالآلاف المؤلفة، والآخر يضع المال بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكواما، حتى ينطلق لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء له، والرضى عنه، وطلب المغفرة له والرضوان من الله تعالى.
وهنا تحركت نفوس هؤلاء، وتطلعت قلوبهم إلى ذلك الفضل، وتلك المنزلة، التي يتبوّؤها إخوانهم، لا حسدا على المال، ولا طمعا في الثراء، وإنما هو تنافس وتسابق في ميادين الخير والقربى من الله تعالى، فجمعوا أنفسهم، وجاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشكون حالهم، ويعلنون إفلاسهم، وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألّا يجدوا ما ينفقون:"يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور". لقد حاز أصحاب الأموال والغنى كل أجر وثواب، واستأثروا بذلك دوننا، وذلك أنهم"يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم". فنحن وإياهم في ذلك سواء، ولا ميزة لنا عليهم، ولكنهم يفضلوننا ويتميزون علينا، فإنهم"يتصدقون بفضول أموالهم"ولا نملك نحن ما نتصدق به لندرك مرتبتهم، ونفوسنا ترغب أن نكون في مرتبتهم عند الله تعالى، فماذا نفعل؟.
2 -الحكمة البالغة وأبواب الخير الواسعة: يدرك المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لهفة هؤلاء وشوقهم إلى الدرجات العلى عند ربهم، ويداوي نفوسهم بما آتاه الله تعالى من حكمة، فيطيب خاطرهم ويلفت أنظارهم إلى أن أبواب الخير واسعة، وأن هناك من الأعمال ما يساوي ثوابُه ثوابَ المتصدق، وتُدَاني مرتبةُ فاعله مرتبةَ المنفق، إن لم تزد عليها في بعض الأحيان. ولكن كل إنسان على حسبه، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7] . «أوَ ليسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟» ، بلى إن أنواع الصدقات