إن ترك الشبهات في العبادة والمعاملات والمناكحات وسائر أبواب الأحكام، والتزام الحلال في كل ذلك، يؤدي بالمسلم إلى الورع، وقد سبق في الحديث السادس أن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وأن الحلال المتيقَّن لا يحصل للمؤمن في قلبه منه شك أو ريب، أما الشبهات فيرضى بها الإنسان ظاهرًا، ولو كَشَفْنَا ما في قلبه لوجدنا القلق والاضطراب والشك، ويكفيه هذا العذاب النفسي خسارة معنوية، والخسارة الكبرى والهلاك الأعظم أن يعتاد الشبهات ثم يجترئ على الحرام، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
ولسلفنا الصالح أقوال وأفعال واضحة في التزام الحلال المحض، والبعد عن الشبهات، والتحلي بالورع. فمن أقوالهم:
-قول أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه: تمام التقوى ترك بعض الحلال خوفا أن يكون حراما.
-وقول أبي عبد الرحمن العمري الزاهد: إذا كان العبد ورعا، ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه.
-وقول الفضيل: يزعم الناس أن الورع شديد، وما ورد عليّ أمران إلا أخذت بأشدهما، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك.
-وقول حسان بن أبي سنان: ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء فدعه.
ومن أفعالهم:
-أن يزيد بن زريع تنزه عن خمسمائة ألف من ميراث فلم يأخذه، وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين، وكان يزيد يعمل الخوص، ويتقَوَّت منه إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
-وكان المسور بن مخرمة قد ابتاع طعاما كثيرا، فرأى سحابا في الخريف فكرهه، فقال: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين؟ فآلى أن لا يربح فيه شيئا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال له عمر: جزاك الله خيرا.