فهرس الكتاب
"ثم استقم": أي داومْ واثبت على عمل الطاعات، والانتهاء عن جميع المخالفات، والاستقامة لا تتأتى مع شيء من الروغان والاعوجاج.
1 -معنى الاستقامة: إن قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «قُلْ: آمَنْتُ باللهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ» مأخوذ من قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا .. } [فصلت: 30] وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13] .
قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - في تفسير: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} قال: لم يشركوا بالله شيئا.
وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره.
وعنه قال: {ثُمَّ اسْتَقَامُوا} على أن الله ربهم.
وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} فقال: استقاموا على طاعته، لم يروغوا روغان الثعلب. والمراد من هذه الأقوال: الاستقامة على التوحيد الكامل.
قال القشيري: والاستقامة درجة بها كمال الأمور، وبوجودها حصول الخيرات ونظامها، ومن لم يكن مستقيمًا في حالته ضاع سعيه وخاب جِدّه.
وقيل: الاستقامة لا يطيقها إلا الأكابر، لأنها الخروج عن المعهودات، ومفارقة الرسوم والعادات، والقيام بين يدي الله تعالى بالصدق.
وقال الواسطي: هي الخصلة التي بها كملت المحاسن.
وقال ابن رجب: الاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القويم من غير تعويج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك، فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الخير كلها.
2 -لا بد من تقصير في الاستقامة: إذا كانت الاستقامة هي الدرجة القصوى في كمال المعارف والأحوال، وصفاء القلوب في الأقوال والأعمال، وتنزيه العقائد من سفاسف البدع والضلال، فإن الإنسان لن يبلغ الاستقامة حق الاستقامة، بل