فهرس الكتاب
علوم الشريعة درسا وحفظا وبحثا، والتخصص في كل علم تحتاج إليه الجماعة المسلمة، لتحفظ كيانها، وتقيم دعائم دولة الحق والعدل على الأرض قوية متينة، مهيبة الجانب، لا يطمع فيها عدوّ ولا يجرؤ عليها مارق أو فاجر. وهذا ما دعانا إليه القرآن بقوله: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122] . ويقاس على التفقّه في الدين ما ذكرنا من العلوم التي تحتاجها الأمة.
وهذا الفقه والتخصص مندوب في حق كل مسلم، عملا بقوله سبحانه: {وَقُلْ رَبِّي زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، وبقوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يَفَقِّهْهُ فِي الدِّيْنِ» [متفق عليه] .
علمنا أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى، والوصول إلى رضوانه، والفوز بقربه يوم القيامة إلا بالعلم، فهو النور الذي بعث الله تعالى به رسله، وأنزل به كتبه، به يهتدى في ظلمات الجهل، وبه يتخلص من الشكوك والشبه والأوهام. قال تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 - 16] . وقال سبحانه: {الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157] .
وإنما يرث العلم النبوي العلماء العاملون المخلصون: «إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِيْنَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ» [رواه الترمذي وغيره] . فهم علائم الحق، ومنارات الهدى التي تهتدي بها الأمة في مسالك حياتها، وتقتدي بهم وتسير وراءهم في شدائدها وأزماتها، فيشقون لها طريق السعادة والفلاح، ويبصرونها معاني العزّة والكرامة والسؤدد.
قال - عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مَثَلَ الْعُلَمَاءِ فِي الْأَرْضِ كَمَثَلِ النُّجُوْمِ فِي السَّمَاءِ، يُهْتَدَى بِهَا فِيْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، فَإِذَا انْطَمَسَتِ النُّجُوْمُ أَوْشَكَ أَنْ