فهرس الكتاب

الصفحة 378 من 382

وتتوازن عنده الروح والجسد، ينطق لسانه بما يعتقد، وتنعكس عقيدته على جوارحه، فتقوّم سلوكه وتسدّد تصرفاته، فلا تتملكه الشهوة، ولا تطغيه بدعة، ولا تهوي به متعة، منطلقه في جميع شؤونه وأحواله شرع الله تعالى الحكيم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهذا ما يقرره رسول الله - صلى الله عليه وسلم وقد أوتي جوامع الكلم - عندما ينصب لنا العلاقة الفارقة للمسلم المؤمن فيقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به» .

2 -حقيقة الهوى وأنواعه: قد يطلق الهوى ويراد به الميل إلى الحقِّ خاصة، ومحبته والانقياد إليه.

ومنه ما جاء في قول عائشة - رضي الله عنها: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك، قالت ذلك لما نزل قوله تعالى: {تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاء} [الأحزاب:51] أخرجه البخاري.

وقول عمر - رضي الله عنه - في قصة المشاورة في أسارى بدر: فهوي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت.

وقد يطلق ويراد به الميل والمحبة مطلقًا، فيشمل الميل إلى الحق وغيره، وهذا المعنى هو المراد في الحديث.

وقد يطلق ويراد به مجرد إشباع شهوات النفس وتحقيق رغباتها، وهذا المعنى هو المراد عند إطلاق كلمة الهوى، وهو الأكثر في الاستعمال، وهو المعنى الذي تضافرت نصوص الشرع على ذمه والتحذير منه والتنفير عنه، إذ الغالب فيه أن يكون ميلًا إلى خلاف الحق، وتحقيق مشتهيات الطبع دون مقتضيات الشرع، فيكون سبيل الضلال والشقاء. قال الله تعالى مخاطبًا داود عليه السلام: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: 26] .

3 -اتباع الهوى منشأ المعاصي والبدع والإعراض عن الحق: فمن استرسل في شهواته، وأعطى نفسه هواها، جرته إلى المعاصي والآثام، وأوقعته في مخالفة شرع الله عزّ وجلّ، وفي الحقيقة: ما انحرف المنحرفون، وما ابتدع المبتدعون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت