وهذا ما أوصانا به وحثّنا عليه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث.
3 -وصية خالدة: ما أجمل هذه العطية التي يتحفنا بها هذان الصحابيان الجليلان، إنها حديث سمعاه من مربيهما وحبيبهما محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولعله كان في الأصل منحة ووصية لهما، ثم أصبح إرشادا وتوجيها، وموعظة للأمة خالدة، لما فيه من خير عميم، ونفع عظيم، يحقق سعادة الدنيا، ويبشر بنعيم الآخرة، فهو وصة عظيمة جامعة لحقوق الله تعالى، وحافظة لحقوق عباده.
4 -التقوى سبيل النجاة: أعظم ما يوجهنا إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الوصية تقوى الله عزّ وجلّ، التي هي جماع كل خير والوقاية من كل شر، بها استحق المؤمنون التأييد والمعونة من الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النمل: 128] . ووعدهم عليها الرزق الحسن، والخلاص من الشدائد: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3] . وبها حفظهم من كيد الأعداء: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران:120] . وجعل للمتقين حقًا على نفسه أن يرحمهم: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 156] . ووصف نفسه تعالى بأنه حقيق بها وبالمغفرة لمن اتصف بها: {هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ} [المدثر: 56] . وأنزلهم في الآخرة بجواره: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر: 54 - 55] .
ولقد كثرت الآيات والأحاديث في فضل التقوى وعظيم ثمراتها، ولا غرابة، فالتقوى سبيل المؤمنين، وخلق الأنبياء والمرسلين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} [الأنعام: 90] ، ووصية الله تعالى لعباده الأولين والآخرين، فمن التزمها فاز وربح، ومن أعرض عنها هلك وخسر: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا} [النساء: 131] .