ولكنها تحقق مصلحة واضحة تفوق المفسدة كثيرا وترجح عليها، ولذلك يُباح التصرف أو يجب، نظرا إلى المصلحة الراجحة فيه، ولا يلتفت إلى المفسدة، لأنها مرجوحة.
ومن أمثلة ذلك: إباحة بتر عضو عليل في بتره حفظ حياة المكلف.
وكذلك الكذب بقصد الإصلاح بين المتخاصمين.
وفي الحقيقة، يرجع هذا وأمثاله إلى العمل بأخف المفسدتين تفاديا لأشدهما، إذ مفسدة بقاء العضو العليل، الذي قد يودي بحياة المكلف، أشد من مفسدة بتره. ومفسدة استمرار الخصومة بين الناس، التي قد تجر إلى تأصيل العداوة والبغضاء، وتوقع في كثير من الفتن، أشد من مفسدة الكذب الذي لا يُوقع ضررا بأحد، ولا يضيع حق أحد.
لقد بين الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه -، أن من أسباب هلاك الأمم وشق عصاها وتلاشي قوتها واستحقاقها عذاب الاستئصال - أحيانًا - أمرين اثنين هما:
-كثرة السؤال والتكلف فيه،
-والاختلاف في الأمور وعدم التزام شرع الله عزّ وجلّ. وإليك بيان ذلك:
النهي عن السؤال والترخيص فيه:
لقد نهى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أصحابه عامة أن يكثروا عليه من الأسئلة، خشية أن يكون ذلك سببًا في إثقالهم بالتكاليف، وسدًا لباب التنَطُّع والتكلف والاشتغال بما لا يعني، والسؤال عما لا نفع فيه إن لم تكن مضرة، ودرعا عن أن ينهج المسلمون منهج من قبلهم في المماراة والجدل. روى البخاري عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.
ولقد أدرك أصحابه الملازمون له من المهاجرين والأنصار هذه الغاية، فكانوا لا يسألونه عن شيء حتى ولو رغبت نفوسهم في ذلك، امتثالا لأمره، ووقوفا عند نهيه، وهم الذين رسخ الإيمان في قلوبهم، فجعلوا هواهم تبعا لما يرضي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،