وربما لم تكن هناك حاجة لهؤلاء لأن يسألوال، وهم يعيشون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يبلغهم ما يوحى إليه فور نزوله، ووحي السماء لا ينقطع عنهم، فإذا ا حدث حادثة، كان أسرع إليهم ببيان ما يحتاجون إليه في دينهم ابتداء من غير سؤال، كي لا يبقوا على ريبة من أمرهم: {يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا} [النساء: 176] . أي لأجل أن لا تقعوا في الضلال، وحينئذ لا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه والحاجة إليه، وإنما الحاجة إلى فهم ما نزل، وإدراك ما أخبر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم اتباعه والعمل به.
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في تفسير قوله تعالى: {لَا تَسْأَلُوْا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ .. } [المائدة: 101] . المعنى: انتظروا، فإذا نزل القرآن، فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه.
وأما أولئك الأعراب والوافدون على المدينة، الذين لم يتوفر لهم أن يعيشوا مع الوحي كسابقيهم، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرخص لهم أن يسألوه، تألفا لهم، وتيسيرا عليهم، وتزويدا لهم بالعلم والمعرفة التي يحتاجونها في أمر دينهم، والتي لا يستطيعون تحصيلها في أي ساعة أرادوا.
لذلك ربما بقي أحدهم في موطنه لا يهاجر، حفاظا على التمتع بهذه الرخصة، لما لديه من الرغبة في السؤال عما يخطر له من شؤون دينه. روى مسلم عن النواس بن السمعان - رضي الله عنه - قال: أقمت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة سنة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة، كان أحدنا إذا هاجر لم يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -. أي إنه أقام في المدينة كزائر، ولم يستوطن فيها، ولم يمنعه من الهجرة والاستيطان إلا حبه للسؤال الذي يمتنع عليه بهجرته.
ولقد كان سؤال هؤلاء الوافدين يوافق رغبة في كثير من الأحيان لدى المهاجرين والأنصار ويفرحون به، ولا سيما إذا كان الجواب فيه بشارة بخير، أو بيان لما يوجه إلى طريق الجنة.
روى مسلم عن أنس - رضي الله عنه - قال: نهينا أ، نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن