فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 382

هلوعا: من الهلع، وهو أشد من الجزع، والجزع شدة الخوف.

ومن كانت هذه حاله، فهو إنسان منهزم، لا يمكن أن يشق طريقه إلى النصر في هذه الحياة، ولذا يستحث الله عزّ وجلّ عزائم المؤمنين: أن يصمدوا أمام هذه المصائب التي هي واقعة لا محالة، وأن يتعالوا على الضعف والخور، ويشقوا طريقهم إلى الفوز والفلاح، متسلحين بالصبر الذي هو أساس العظمة وسر النجاح: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] .

لا شك أن هؤلاء هم المهتدون لطريق العزة والكرامة والمجد، ولا سيما أولئك الذين يصمدون للكارثة من أول وهلة: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى» [متفق عليه] فيخرجون منها منتصرين، ليستقبلوا الحياة بكل شجاعة وإقدام، ليحولوا النقمة التي نزلت بهم خيرا يستفيدون منها دنيا وأخرى، فلا يختلف حالها لديهم عن حال النعمة: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [رواه مسلم] .

ولقد ضرب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أروع المثل في ذلك، حين أرسلت إليه ابنته تقول: إِنَّ ابْنِيْ قَدِ احْتُضِرَ، فَاشْهَدْهَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ وَيَقُولُ: «إِنَّ للهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» [رواه البخاري وغيره] .

احتضر: حضرته مقدمات الموت. فاشهدها: احضر عندنا. مسمّى: معلوم مقدر. ولتحتسب: تنوي بصبرها طلب الثواب من ربّها ليحسب من عملها الصالح. وقوله: «يُقْرِئُ» أي السلام.

إن الإنسان يعيش وحوله الناس المختلفون بأخلاقهم وأمزجتهم، ولا بد أن تبدر منهم الإساءات، وشتى ألوان الأذى، فإذا ضاق الإنسان بذلك ذرعا، خاب وخسر،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت