من حيث المولد، فالجميع مخلوقون من نفس واحدة، ولا فرق بين أبيض وأسود، ولا فضل لعربي على أعجمي، ولا امتياز لشريف على وضيع في أصل الخلقة والمنشأ: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً} [النساء: 1] . وكانت العدالة الإلهية في الإسلام حيث جعل التفاضل بين الناس بالعمل الصالح، وطريق القرب من الله تعالى تقواه، دون النظر إلى من انحدر منهم من الآباء: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13] . فلا يضير الإنسان عند الله عزّ وجلّ ضعة نسبه، فإن الله تعالى رتّب الجزاء على الأعمال، لا على الأنساب. قال سبحانه: {وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا} [الأنعام: 132] . فلا يبلغ العبد الدرجات العلا عند ربه إلا بالعمل الصالح، بل إن الأنساب تتلاشى يوم القيامة، حيث تقف الخلائق على صعيد واحد، ولا يلتفت أحد منهم إلى سواه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101] .
ولذا نجد القرآن الكريم يحذر الناس من أن يعتمدوا على الأنساب، فيأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبدأ في تبليغ الناس دعوة الله تعالى بإنذار أقرب الناس إليه نسبا، فيقول: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] . ونجد المصطفى - صلى الله عليه وسلم وهو الشفوق الرحيم، وأولى الناس بشفقته ورحمته عشيرته وذوو قرباه - نجده يسارع لتبليغ أمر ربه، فيصعد الصفا وينادي: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم - سليني ما شئتِ من مالي، لا أغني عنكِ من الله شيئا» [متفق عليه] .
لقد كان الناس يتناصرون ويتولى بعضهم بعضا بالعصبية والقرابة النسبية، فجاء الإسلام ليقطع كل