فهرس الكتاب

الصفحة 292 من 382

أ- أما العلماء: فلأنهم يعرفون من شرع الله تعالى ما لا يعرفه غيرهم من الأمة، ولما لهم من هيبة في النفوس واحترام في القلوب، مما يجعل أمرهم ونهيهم أقرب إلى الامتثال وأدعى إلى القبول، ولما أعطاهم الله تعالى من الحكمة والموعظة الحسنة، قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] .

والخطر الكبير عندما يتساهل علماء الأمة بهذه الأمانة التي وضعها الله تعالى في أعناقهم. روى أبو داود، والترمذي، واللفظ له، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَمَّا وَقَعَتْ بَنُوْ إِسْرَائِيْلَ فِي الْمَعَاصِيْ نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، فَلَمْ يَنْتَهُوْا، فَجَالَسُوْهُمْ فِيْ مَجَالِسِهِمْ، وَوَاكَلُوْهُمْ وَشَارَبُوْهُمْ، فَضَرَبَ اللهُ قُلُوْبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيْسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوْا يَعْتَدُوْنَ» ، فجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان متكئا، فقال: «لَا وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَدِهِ، حَتَّى تَأْطُرُوْهُمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا» أي تحملوهم عليه وتحبسوهم وتعطفوهم وتردوهم إليه.

ب- وأما الأمراء: أي الحكام، فإن مسؤوليتهم أعظم، وخطرهم إن قصروا في الأمر والنهي أكبر، لأن الحكام لهم ولاية وسلطان، ولديهم قدرة على تنفيذ ما يأمرون وينهون عنه وحمل الناس على الامتثال، ولا يخشى من إنكارهم مفسدة، لأن القوة والسلاح في أيديهم، والناس ما زالوا يحسبون حسابًا لأمر الحاكم ونهيه. ولذا قال - عليه الصلاة والسلام: «مَنْ يَزَعُ السُّلْطَانُ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَزَعُ الْقُرْآنُ» ذكره ابن الأثير في النهاية. أي إن هناك أناسًا لا يتأثرون بالموعظة والإرشاد فيرتدعوا عن المخالفة ويذعنوا للحق، بينما يرتدعون وينزجرون حين يلوح لهم الحاكم بعصا أو يريهم بريق سيفه.

فإذا قصر الحاكم في الأمر والنهي، طمع أهل المعاصي والفجور، ونشطوا لنشر الشر والفساد، دون أن يراعوا حرمة أو يقدسوا شرعا، ولذا، كان من الصفات الأساسية للحاكم الذي يتولى الله تأييده ونصرته، ويثبت ملكه ويسدد خطته، أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت