«لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ» .
وهذا بالنسبة لفاعل المعصية نفسه. أما غيره، فقد علمنا أنه: إن كان مستور الحال، ندب ستره، بل قد يجب، وعليه، فلا يرفع أمره إلى الحاكم، وربما كره ذلك أو حرم، وإن كان مستعلنا بالمعصية وجب رفع أمره إلى الحاكم ليقيم عليه العقوبة المناسبة، حتى يستتبّ الأمن، ويقوم الصلاح في المجتمعات.
ما سبق من القول إنما هو فيمن علم أنه فعل معصية أو ارتكب ذنبا وانقضى الأمر. أما إذا شاهد إنسانا يتلبس بالمعصية، فلا يجوز له ستره والسكوت عنه، بل تلزمه المبادرة إلى منعه بنفسه إن قدر، وإلا فيرفع أمره للحاكم فورا، عملا بقوله - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ... » انظر: الحديث 34.
إذا وقعت من المسلم زلّة، وكان مستور الحال، معروفا بين الناس بالاستقامة والصلاح، ندب للناس أن يستروه ولا يعزروه على ما صدر منه، وأن يشفعوا له ويتوسطوا له لدى من تتعلق زلّته به إن كانت تتعلّق بأحد، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: «أَقِيْلُوْا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» [رواه أبو داود] أي تغاضوا عن زلّات من عرفوا بالاستقامة والرشد.
وأما إن كان معلنا بفسقه، معروفا بالشر والأذى بين الناس، فقد علمت أنه يكره الستر عليه، وقد يحرم، وبالتالي: فلا يشفع له، بل يترك حتى يقام عليه الحد، ليكشف حاله، ويرتدع به أمثاله. قال مالك - رحمه الله تعالى: وأما من عرف بشرّ أو فساد، فلا أحب أن يشفع له أحد، ولكن يترك حتى يقام عليه الحد.
وما ذكرناه من الشفاعة إنما هو فيمن لم يرفع أمره إلى الحاكم، فإذا رفع الأمر إلى الحاكم، حرمت الشفاعة، وكانت الوساطة معصية يأثم كل من يشارك فيها أو يسعى إليها.