فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 382

والقائل: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، والقائل: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . فالتكاليف في الشريعة الإسلامية كلها متصفة باليسر، وضمن حدود الطاقة البشرية، لأنها صادرة عن الحكيم العليم، فما على الإنسان العاقل إلا أن يسمع ويطيع، لينال السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة.

إن النعمان - رضي الله عنه - كان مثال المؤمن الصريح بقلبه وقالبه، فهو لا يريد أن يتظاهر بالتقوى والصلاح مما ليس في نفسه أن يفعله، أو لا يقوم به فعلًا، بل هو إنسان يريد النجاة والفلاح، وهو على استعداد أن يلتزم كل ما من شأنه أن يوصله إلى ذلك. وتتبدّى صراحة هذا المؤمن أكثر فأكثر، عندما يخبره - صلى الله عليه وسلم - بأن ما ذكره كاف لنيل مراده، فيقول: والله، لا أزيد على ذلك شيئا - كما ورد في إحدى روايات الحديث - طالما أن مرضاة الله تعالى تتحقق باليسير الذي افترضه، وهو يسيرٌ على من يسّره الله عليه من المؤمنين، وشاقٌّ عسيرٌ على من ختم الله على قلبه: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ. اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46 - 47] .

وهذا الموقف الصريح والصادق، قد تكرر من أولئك الناس الذين دخل الإيمان قلوبهم، وسيطر اليقين على نفوسهم، فلم يعرفوا مواربة ولا نفاقا، ولم يقاربوا تهاونا في شرع الله تعالى أو استخفافا، كما تكررت هذه البشارة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم بدخول الجنة، رضي الله عنهم وأرضاهم. ففي الصحيحين: أنه - صلى الله عليه وسلم - جاءه أعرابي - هو ضمام بن ثعلبة كما عند أحمد - مرة، فسأله عن الصلوات، فقال: «خَمْسٌ» فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» . ثم سأله عن عدد من الواجبات والفرائض، وهو يجيبه بالواجب عليه، فيقول السائل: هل عليّ غيرها؟ فيقول: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» ، فقال: والله، لا أتطوّع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله تعالى عليّ شيئا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت