فهرس الكتاب
آذاه قومه وضربوه، فجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.
وقال بعض السلف: وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله وأن لحمي قرض بالمقاريض. وكان عبد الله بن عمر بن عبد العزيز يقول لابنه: وددت أني غلت بي وبك القدور في الله تعالى. وما ذاك كله إلا لأن من كمال الإيمان أن يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير، كما علمت.
21 -خلاصة وتوجيه من عالم رباني: لقد تكلم الإمام النووي - رحمه الله تعالى، هذا العالم الرباني الذي جعل الله البركة في حياته، والنفع بعلمه - تكلم بكلام في شرح مسلم، يكاد يكون صفوة القول ومنهجًا كاملًا في هذا الباب نثبته لك ها هنا. قال - رحمه الله تعالى:
وأعلم أن هذا الباب، أعني باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الزمان إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم، به قوام الأمر وملاكه، وإذا كثر الخبث عمّ العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم أوشك أن يعمّهم الله بعقابه: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] . فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله عزّ وجلّ أن يعتني بهذا الباب، فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه ويخلص نيته. ولا يهابنّ من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] ، وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] . وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69] . وقال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2 - 3] . واعلم أن الأجر على قدر النصب. ولا يتاركه أيضا لصداقته ومودته ومداهنته، وطلب المواجهة عنده ودوام المنزلة لديه، فإن صداقته ومودته توجب له حرمة وحقا،