فهرس الكتاب
وبيده جلّ وعلا قلوب العباد يقلبها كيف يشاء، فيلهم الناس ليسارعوا إلى معونة من يبذل العون لغيره، ويسعوا في خدمته، وقضاء حوائجه، والاهتمام بشؤونه، والفضل منه وإليه سبحانه، ولكن سخر الناس بعضهم لبعض، ونسب الفعل إليهم ليجزيهم عليه، كرما منه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل: 53] .
لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القدوة الحسنة في كل ما دعا إليه، فكان خير مثال في بذل العون لأصحابه، ولا سيما أصحاب الحاجة منهم.
روى الإمام أحمد من حديث بنت الخبّاب بن الأرت - رضي الله عنهما - قالت: خرج خباب في سريّة، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعاهدنا، حتى يحلب عنزة لنا في جفنة لنا، فتمتلئ حتى تفيض، فلما قدم خباب حلبها، فعاد حلابها إلى ما كان.
ولقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تلامذة نجباء، وأتباعا أبرارا، فاقتدوا به، وساروا على نهجه، وكذلك خلفهم الذين اتبعوهم بإحسان، فرضي الله عنهم ورضوا عنه:
-فكان أبو بكر - رضي الله عنه - يحلب للحيّ - الذي غاب عنهم رجالهم - أغنامهم، فلما استخلف على المسلمين، قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فبلغه ذلك، فقال: بلى، وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله.
-وكان عمر - رضي الله عنه - يتعاهد الأرامل، فيستقي لهن الماء في الليل، ورآه طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه - مرة في الليل يدخل بيت امرأة، فدخل عليها طلحة نهارا، فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ قالت: هذا مذ كذا وكذا يتعاهدني، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عنى الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمك يا طلحة، أعورات عمر تتّبع؟
-وكان أبو وائل - رضي الله عنه - يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم، فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن.