وما أعرض الكافرون الفاسقون والمارقون، عن المنهج القويم والحق المبين، لعدم وضوح الحق أو عدم اقتناعهم به - كما يزعمون - فالحق واضح أبلج، والباطل ملتبس لجلج، وإنما بدافع الهوى المتبع، قال تعالى: {فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ} [القصص: 50] .
4 -الهوى المتبع إله يعبد من دون الله عزّ وجلّ: إن العبادة هي الانقياد والخضوع، فمن انقاد لهواه وخضع لشهواته فقد أصبح عبدًا لها. وإن الهوى والشهوات لا تزال بالإنسان حتى تتمكن منه وتسيطر عليه، فلا يصدر في تصرفاته إلا عنها، ولا يأتمر إلا بأمرها، وإن خالف فكره وعقله، وناقض معرفته وعلمه. وهكذا تجد عبدة الهوى يغمضون أعينهم عن رؤية الحق، ويصمّون آذانهم عن سماعه، فلا يعرفون استقامة ولا يهتدون سبيلًا. قال ابن عباس - رضي الله عنهما: الهوى إله يعبد في الأرض، ثم تلا: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان: 43] وقال - عليه الصلاة والسلام: «ما تحت ظل السماء إله يعبد أعظم عند الله تعالى من هوى متبع» .
أعظم: أي أكثر إثمًا لأنه أوسع شرًا.
5 -اتباع الهوى ضعف لا يليق بالإنسان المكرم: إن الله تبارك وتعالى قد منح هذا الإنسان ما ميّزه عن الكائنات وجعله مخلوقًا مكرمًا: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] .
وهذه المنحة التي كانت عنوان التكريم هي العقل الذي يبصره بالخير، ويغريه بفعله، ويدرك به الشر الذي ينفره من اقترابه. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 8 - 9] .
والنفس البشرية قابلة للخير والشر، ومزودة بدوافع الفجور وبواعث التقوى، والإنسان بما منح من القوة العاقلة، وما أعطي من الاختيار والقدرة بمَلْكِه أن يخالف هواه ويسيطر على نوازع الشر ويكبتها، ويجاهد نفسه ويحملها على السمو في درجات