فهرس الكتاب
فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج بها، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني؟ فركب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، فسأله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كَيْفَ وَقَدْ قِيْلَ» .. ففارقها عقبة، ونكحت زوجا غيره. أي كيف تبقيها عندك كزوجة، وقد قيل إنها أختك من الرضاع؟ ولم يقل بذلك إلا تلك المرأة.
وقال غير الحنفية: لا بد من تعدد النساء حتى تقبل شهادتهن، وحملوا مفارقة عقبة لزوجته على الورع والتنزيه، وقالوا: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بذلك.
القاضي المسلم مأمور بالقضاء لمن قامت الحجة على صدقه، سواء أكان مدعيا أم مدعى عليه، وقد جعل الشرع الحكيم البينة حجة المدعي إذا أقامها استحق بها ما ادعاه، كما جعل اليمين حجة المدعى عليه، فإذا حلف بريء مما ادعي عليه. ودليل ذلك ما صرحت به بعض روايات الحديث من قوله - صلى الله عليه وسلم: «اَلْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِيْ، وَالْيَمِيْنُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» رواه الترمذي.
وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للمدعي: «شَاهَدَاكَ أَوْ يَمِيْنُهُ» رواه مسلم.
والحكمة في هذا التوزيع: أن المدعي يدعي أمرا خفيا، فهو بحاجة إلى حجة قوية لإظهاره، والبينة حجة قوية، لأنها قول من ليس بخصم، فجعلت في جانب المدعي. وأما اليمين فهو أقل قوة، لأنها كلام أحد الخصمين، والمدعى عليه لا يدعي أمرا خفيا، وإنما يتمسك بالأصل واستمرار الحال، فصلحت له الحجة الأضعف، وهي اليمين، فجعلت في جانبه.
4 -حجة المدعي مقدمة على حجة المدعى عليه: إذا توفرت شروط الدعوى لدى القضاء سمعها القاضي. ثم سأل المدعى عليه عنها: فإذا أقر بها قضى عليه، لأن الإقرار حجة يلزم بها المقرّ. وإن أنكر طلب القاضي من المدعي البينة، فإذا أتى بها قضي له، ولم يلتفت إلى قول المدعى عليه أو إنكاره وإن غلظ الأيمان. فإن عجز المدعي عن إقامة البينة، وطلب يمين خصمه، استحلفه القاضي، فإذا حلف بريء وانتهت الدعوى.