ظنهم وقوعها، وهم ليسوا على قرب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهم يرغبون معرفة حكم الله عزّ وجلّ فيها سابقا، ليعملوا به في حينه.
ومن ذلك:
-ما رواه البخاري ومسلم عن رافع بن خديج - رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، إنا نرجو أو نخاف العدو غدا، وليست معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ قال: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوْهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ»
[أنهر: أَسَالَ. مدى: جمع مدية، وهي السكين. ليس: ما عداهما] .
-ما رواه الخمسة عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا اَلْقَلِيْلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هُوَ الطَّهُوْرُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أي ما مات فيه من سمك ونحوه دون ذبح شرعي فهو حلال مأكول.
لقد حذر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسلك أولئك الأقاوم، الذين وقفوا من رسلهم موقف التردد والعصيان، فاستحقوا أن يؤخذوا بالعذاب، أو يثقل كاهلهم بالتكاليف، والأغلال، فكان فضل الله تعالى على هذه الأمة عظيما، إذ علّمها أن تقول: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة: 285 - 286] . [إصرًا: ثقلا وشدة في التكاليف] .
ولقد فاز الصادقون من هذه الأمة بهذا الفضل العظيم، إذ كانوا بحق، كما قال الله تعالى فيهم: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 51 - 52] .