فهرس الكتاب

الصفحة 157 من 382

المبين والفوز العظيم في الدنيا والآخرة. وعندها يستبين لهذا العبد المؤمن التقي: أن النور ينبثق من باطن الظلمة، وأن الغيث يخرج من الغيوم القاتمة، وأن ما كان فيه من كرب إنما هو لخير أُريد به، وأن الفرج في طياته وجنباته، وأن ذلك لم يكن إلا لينقطع العبد الصادق عن كل ما سوى الله عزّ وجلّ، ويرتبط قلبه بخالقه وحده، الذي استيقن أن الأمر كله بيده. واقرأ في هذه المعاني قول الله عزّ وجلّ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمْ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214] .

خلوا: مضوا. البأساء والضراء: الشدة والمرض، والفقر والخوف. زلزلوا: أزعجوا إزعاجا شديدا بأنواع البلايا، حتى صار حالهم شبيها بالأرض تصيبها الزلزلة.

وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ} [الشورى: 28] . ولعلّك تدرك هذا المعنى واضحا في قصة كعب مالك وصاحبيه - رضي الله عنهم - حين تخلفوا عن غزوة تبوك، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس بمقاطعتهم، فأصابهم ما أصابهم من الكرب، حتى: {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ} فكان الفرج، وكانت الرحمة: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] . وفيما قصّه علينا القرآن من قصص تفريج كربات أنبيائه وأوليائه، عندما يتناهى بهم الكرب، وما أكرم الله تعالى به نبيّه محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه - رضي الله تعالى عنهم - في مثل هذه المواقف، ما يجعلنا نطمئن إلى رحمة الله عزّ وجلّ ونطمع في كرمه، كلما اشتدّت بنا الخطوب، وأطبقت الشدة، واستحكم الكرب.

إنك تلمح أن معاني الحديث مترابطة، بعضها آخذ بحجز بعض، فإن العسر يسبب الكرب، وإن اليسر من أبواب الفرج، وكل منهم يحتاج إلى صبر وتحمل،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت