فهرس الكتاب
ودليل هذا قوله - صلى الله عليه وسلم - للمدعي: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَلَكَ يَمِيْنُهُ» رواه مسلم. فقد سأل - صلى الله عليه وسلم - المدعي عن البينة أولا، ورتب استحقاق اليمين على فقدها، فتقرر أن حجة المدعي قبل حجة المدعى عليه.
5 -رد اليمين على المدعي: إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فأبى أن يحلف، وطلب من القاضي أن يحلف المدعي ويأخذ مدعاه، فهل يجاب إلى طلبه؟
ذهب بعض الفقهاء، ومنهم الشافعية، إلى أنه يجاب إلى ذلك، لأنه من حقه أن يحلف ويبرأ، فإذا رضي أن يقضي عليه بيمين خصمه كان هو الحاكم على نفسه.
وذهب بعضهم، ومنهم الحنفية، إلى أنه لا ترد اليمين على المدعي، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للمدعي: «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِنْيْنُهُ، لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ» رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.
فدل على أنه لا يقضى للمدعي بيمينه. وأيضا: فقد وزع - صلى الله عليه وسلم - الحجج بين المتداعيين عندما قال: «اَلْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِيْ، وَالْيَمِيْنُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» رواه الترمذي، فجعل جنس اليمين حجة المدعى عليه، وهذا يدل على حصر اليمين في جانبه، فلو ردت اليمين على المدعي لكان بعض الأيمان ليس في جانب المدعى عليه، وهذا خلاف ما دلّ عليه النص من الحصر.
6 -القضاء بالنكول: إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فنكل عنها أي رفض أن يحلف وامتنع عن اليمين، قضي عليه بالحق الذي ادعاه المدعي لدى الحنفية والحنابلة، على تفصيل عندهم فيما يقضى فيه. وحجتهم في هذا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَالْيَمِيْنُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» . وهو المدعى عليه، وكلمة على للوجب، والعاقل ذو الدين لا يمتنع عن أداء الواجب عليه، فنكوله عن اليمين يدل على كونه مقرًّا بالحق المدعى عليه أو راضيا ببذله للمدعي، والمكلف له أن يبذل ما هو حقه لغيره، فيقضى عليه بذلك.
وقال المالكية والشافعية: لا يقضى عليه بالنكول، وإنما ترد اليمين على المدعي، فإن حلف أخذ ما ادعاه، وإلا فلا. وحجتهم في هذا: أن الأصل براءة ذمة المدعى عليه،