فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 382

وروى مسلم عن عبد الله بن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» .

والثالث: هم الذين فهموا المراد من الدنيا، وأن الله سبحانه إنما أسكن عباده فيها وأظهر لهم لذاتها ونضرتها؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملًا في غير آية، قال بعض السلف: يعني من هو زاهد في الدنيا وراغب في الآخرة، ولما بين تعالى أنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، بين انقطاع ذلك ونفاده بقوله: {إِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا} [الكهف:8] فمن فهم أن هذا هو مآلها جعل همه التزود منها لدار القرار، واكتفى من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره؛ كما كان صلى الله عليه وسلم يقول: «ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قال في ظل شجرة ثم راح وتركها» . ثم من أهل هذا القسم من اقتصر من الدنيا على سد رمقه فقط، وهو حال كثير من الزهاد، ومنهم من فسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض مباحاتها؛ لتقوى النفس به وتنشط العمل، فقد روى أحمد والنسائي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حُبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب» وروى أحمد عن عائشة: كان صلى الله عليه وسلم يحب من الدنيا النساء والطيب والطعام، فأصاب من النساء والطيب، ولم يُصب من الطعام. وتناول الشهوات المباحة بقصد التقوي على الطاعة يصيرها طاعات فلا تكون من الدنيا. وروى الحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نعمت الدار الدنيا لمن تزود منها لأخرته حتى يرضي ربه، وبئست الدار لمن صدت به عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه» .

6 -كيف نكتسب محبة الله تعالى: نستطيع أن نكتسب محبة الله تعالى بالزهد في الدنيا؛ لأنه سبحانه وتعالى يحب من أطاعه، ومحبته مع محبة الدنيا مما لا يجتمع كما دلت عليه النصوص والتجربة والتواتر، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» والله لا يحب الخطايا ولا أهلها، ولأنها لهو ولعب، والله لا يحبهما، ولأن القلب بيت الرب لا شريك له فلا يحب أن يشركه في بيته حب دنيا ولا غيره، ومحبتها الممنوعة هي إيثارها لنيل الشهوات واللذات وكل ما يشغل عن الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت