فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 382

أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا [الحديد:20] .

قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: وانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:

أحدهما: من أنكر أن يكون للعباد دار بعد الدنيا للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: {إنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ. أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [يونس:7] . وهؤلاء همهم التمتع في الدنيا واغتنام لذاتها قبل الموت، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد:12] . ومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا؛ لأنه يرى أن الاستكثار منها موجب الهم والغم، ويقول: كلما كثر التعلق بها تألمت النفس بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زهدهم في الدنيا.

والقسم الثاني: من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبون إلى شرائع المرسلين. وهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات بإذن الله.

فالأول: وهم الأكثرون، الذين وقفوا مع زهرة الدنيا بأخذها من غير وجهها واستعمالها في غير وجهها، فصارت أكبر همهم، وهؤلاء هم أهل اللهو واللعب والزينة والتفاخر والتكاثر، وكل هؤلاء لم يعرف المقصود منها، ولا أنها منزل سفر يتزود منها إلى دار الإقامة، وإن آمن به مجملًا.

والثاني: أخذها من وجهها، لكنه توسع في مباحاتها، وتلذذ بشهواتها المباحة، وهو وإن لم يعاقب عليها، لكنه ينقص من درجاته في الآخرة بقدر توسعه في الدنيا، وصح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: «لا يصيب أحد من الدنيا شيئًا إلا نقص من درجاته في الآخرة عند الله وإن كان عليه كريمًا» وروى الترمذي عن قتادة ابن النعمان، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا أحب عبدًا حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه من الماء» . ورواه الحاكم بلفظ «إن الله ليحمي عبده من الدنيا وهو يحبه كما تحمون مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت