فهرس الكتاب
روى البخاري ومسلم عن أسيد بن خضير - رضي الله عنه - قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس، فسكتُّ فسكنتْ، فقرأت فجالت الفرس، فسكتُّ وسَكنتْ الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه، فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «اقرأ يا ابن خضير، اقرأ يا ابن خضير» ، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي، فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلةن فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها. قال: «وتدري ما ذاك؟» قال: لا، قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم» .
وهكذا، كلما كثر القارئون كثرت الملائكة حتى تحيط بهم من كل جانب.
وماذا يعني نزول هؤلاء الملائكة، وما هي ثمرة وجودهم وإحاطتهم؟ إن هذا يعني أن هؤلاء القارئين المتدارسين في أمن وسلام، وإن ثمرة وجودهم حفظهم عن كل أذى، وصيانتهم من أن يصل إليهم شيء يكرهونه. قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11] أي بأمرٍ من الله تعالى وإذن منه.
ولعل خير ثمرة لهذه المكرمة أن يكون هؤلاء الملائكة سفراء بين عباد الرحمن هؤلاء وبين خالقهم جلّ وعلا، يرفعون إليه سبحانه ما يقوم به هؤلاء المؤمنون من ذكر الله عزّ وجلّ ومدارسة لكتابه، وما انطوت عليه نفوسهم من رغبة في نعيم الله عزّ وجلّ ورضوانه، ورهبة من سخطه وإشفاق من عقابه، فيكون ذلك سببا للمغفرة، وبابا للفوز والنجاة. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن الله وملائكته يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإن وجدوا قوما قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم. قال: فيحونهم