فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 382

ما فيه، ونبعد عنه كل دخيل، ولا نلتفت إلى رأي أو اجتهاد يصادم نصا من نصوصه أو يعارض أصلا من أصوله. قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 13] .

وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوجهنا أن نتدارس القرآن ونتفهم معناه لنعمل بمقتضاه، فإذا ما بدر خلاف في فهمه قد يؤدي إلى النزاع، يأمرنا أن نترك البحث ونقوم حتى تصفو القلوب وتستنير الأفكار، فنعاود كتاب الله تعالى بصدق وإخلاص.

روى البخاري عن جندب بن عبد الله البجلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «اِقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوْبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُوْمُوْا عَنْهُ» .

وهذا هو - عليه الصلاة والسلام - يحسم مادة الاختلاف، حين دعا أصحابه في مرض موته ليكتب لهم كتابا لن يضلوا بعده أبدا، فلما اختلفوا: هل يكتب أو لا يكتب؟ مزق الكتاب وقال: «قُوْمُوْا عَنِّيْ» رادعا لهم وزاجرا ومنبها: أن الاختلاف سبب الخسران، ولذلك كان ابن عباس - رضي الله عنهما - يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم. [رواه البخاري] .

وهذا هو - عليه الصلاة والسلام - يبين في حديث الباب: أن هلاك الأمم كان بسبب اختلافهم في دينهم إذ خالفوا ما جاء به أنبياؤهم.

والبلية كل البلية أن يكون الحامل على الاختلاف في الدين المصالح والأهواء، والعناد والبغي، ولذا نجد كتاب الله تعالى يخرج أمثال هؤلاء الناس الذين يُثيرون الخلاف في الدين ويريدون أن يجعلوا المسلمين شِيَعًا وفرقًا وأحزابًا، نجده يخرجهم من دائرة الإسلام، ويبرئ منهم نبيه المصطفى فيقول: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [الأنعام: 159] . والخطر إنما يكمن في هذا النوع من الاختلاف، الذي لا يحتكم إلى برهان ولا ينصاع إلى حجة، وهذا الاختلاف هو الذي كان سبب هلاك الأمم، وإليه يشير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت