وحتى تكون الموعظة مؤثرة توقظ النفوس اللاهية، والضمائر الميتة، لا بد أن تصدر من واعظ ناجح تتوفر في شخصه وكلامه وسلوكه شروط:
أ- أن يكون مؤمنا بكلامه، متأثرا به، متحرقا إلى إيصاله إلى نفوس سامعيه وقناعتهم التامة به، ويظهر هذا في لهجته ونبرات صوته، وفي حالته وتغير ملامح وجهه؛ وهذه سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان يتغير حاله عند الموعظة. قال جابر ابن عبد الله - رضي الله عنهما - كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا خَطَبَ وَذَكَرَ السَّاعَةَ، اشْتَدَّ غَضَبُهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، واحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُوْلُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ.
ب- أن يكون ذا قلب ناصح سليم من الأدناس، يخرج كلامه من قلبه الصادق، فيلامس شغاف القلوب. أما مريض القلب والنفس، فإن كلامه يخرج من فيه ليدخل في إحدى أذني سامعه، ويخرج من الأخرى. ويروى أن الحسن البصري سمع واعظا يعظ الناس في مسجد البصرة، فلم يتأثر بكلامه، فقال له بعد انصراف الناس: يا هذا، إما أن في قلبك مرضا أو في قلبي.
جـ- أن يطابق قوله فعله، لأن السامعين لموعظته، المعجبين بفصاحته وبلاغته، سيرقبون أعماله وأفعاله، فإن طابقت أفعاله أقواله، اتبعوه وقلدوه، وإن وجدوه مخالفا أو مقصرا فيما يقول، شهروا به وأعرضوا عنه، وقد قيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. ويكفيه زاجرا عما هو فيه من ضلالة: قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3] .
إن الخوف الذي اعترى قلوب الصحابة، والدموع التي سالت من عيونهم عند سماع موعظة النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل على فضل وصلاح، وعلو وازدياد في مراقي الفلاح ومراتب الإيمان، حتى أصبحوا بحق نجوم هداية ورشاد، واستحقوا المديح من رسولهم ومعلمهم - صلى الله عليه وسلم -، ومن خالقهم